في مصر.. الغذاء الصحي أصبح رفاهية لنصف السكان

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

أصبحت معضلة الغذاء في مصر لا تتعلق بتوافر الخبز أو السعرات فقط، بل بقدرة الأسر على شراء وجبة متوازنة تتضمن خضراوات وفواكه وبروتيناً ومنتجات ألبان وحبوباً كافية. 


وفق تقرير البنك الدولي "بناء الأمن الغذائي وخلق فرص العمل"، لا يستطيع نحو 66 مليون مصري تحمل تكلفة نظام غذائي صحي، أي قرابة 57% من السكان في 2024، بعدما ارتفعت تكلفة هذا النظام من 3.81 دولارات للفرد يومياً في 2017 إلى 6.42 دولارات وفق تعادل القوة الشرائية لعام 2017.

 

أزمة قدرة شرائية لا أزمة سعرات

المفارقة أن مصر لا تواجه نقصاً عاماً في السعرات بقدر ما تواجه فجوة في جودة الغذاء؛ فمؤشر "تكلفة الغذاء الصحي" لا يقيس سعر وجبة فاخرة، بل أقلّ تكلفة ممكنة لشراء أغذية محلية تفي بالإرشادات الغذائية الأساسية.

 

يقول البنك الدولي إن متوسط تكلفة النظام الغذائي الصحي عالمياً بلغ 4.46 دولارات للفرد يومياً في 2024، ما يضع مصر عند مستوى أعلى بكثير من المتوسط العالمي.

 

ويقول ياسر غريب، الخبير الاقتصادي المصري، لـ"النهار" إن هذا يعني أن ملايين الأسر قد تستطيع شراء الخبز أو الأرز أو الزيت، لكنها لا تستطيع تكوين "طبق صحي" يومي. 

 

وبحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يعتمد الغذاء في مصر بدرجة مرتفعة على السلع النشوية، إذ شكلت الحبوب والجذور والدرنات 64% من إمدادات الطاقة الغذائية في 2020-2022، مقارنة بمتوسط عالمي قدره 50%.

 

الهشاشة حول الخط الفاصل

يرى غريب أن الأخطر في أرقام البنك الدولي ليس فقط أن أكثر من نصف السكان عاجزون عن تحمل تكلفة الغذاء الصحي، بل إن شريحة واسعة تقف على حافة هذا الخط، حيث يوضح تقرير البنك الدولي بأن ربع المصريين تقريباً لديهم مستويات إنفاق تقع ضمن دولار واحد فقط، وفق تعادل القوة الشرائية، فوق أو تحت عتبة القدرة على تحمل تكلفة الغذاء الصحي؛ منهم 15% تحت العتبة مباشرة، و10% فوقها مباشرة، أي أن أيّ ارتفاع بسيط في أسعار الغذاء أو تراجع في الدخل يمكن أن يدفع ملايين إضافية خارج دائرة الغذاء الصحي.

 

شاب مصري يتناول تين شوكي من على عربة في الشارع (أ ف ب)

وتتسق هذه الهشاشة مع تقديرات البنك الدولي للفقر، إذ تشير أحدث نشرة للفقر والإنصاف إلى أن 33.5% من المصريين كانوا فقراء وفق خط الفقر الوطني في 2021، وأن التضخم المرتفع منذ 2022، مدفوعاً بتخفيض قيمة الجنيه والصدمات الخارجية، ظلّ مصدر قلق رئيسياً لجهود خفض الفقر، كما أن الغذاء استحوذ على أكثر من 44% من إنفاق أفقر 20% من الأسر، بينما بلغ تضخّم السلع الغذائية 54.7% في السنة المالية 2024.

 

التضخم يتراجع.. لكن الوجبة الصحيّة ليست رخيصة

رغم أن موجة التضخم الحادّة انحسرت من ذروتها التاريخية في 2023، فإن أثرها التراكميّ ما زال يضغط على موائد الأسر، حيث أظهرت بيانات (CAPMAS) أن التضخم الشهريّ في أيار (مايو) 2026 ارتفع 1.4% مدفوعاً أساساً بصعود أسعار الغذاء، مع زيادة الفواكه 12.7% واللحوم والدواجن 3.5% على أساس شهري، بينما ارتفعت أسعار الأغذية والمشروبات 7.5% سنوياً.

 

وأظهرت بيانات صندوق النقد الدولي أن التضخم الحضريّ في مصر ظل مرتفعاً عند 14.6% في أيار (مايو) 2026، مع توقع ارتفاعه إلى 15.8% بنهاية السنة المالية، في وقت يوصي فيه الصندوق بسياسة نقدية متشددة ومرونة في سعر الصرف لمواجهة الصدمات الخارجية.


الدعم يحمي الخبز لا النظام الغذائي

يقول الخبير الاقتصادي إن الدعم الغذائي في مصر يؤدي دوراً اجتماعياً حاسماً، لكنه مصمم تاريخياً لحماية استهلاك السلع الأساسية أكثر من تحسين جودة التغذية؛ فالبنك الدولي يقول إن دعم الغذاء في مصر يغطي بطاقات التموين لأكثر من 60% من السكان، والخبز البلدي لنحو 80%. لكن إنفاق مصر على هذا الدعم تراجع من 1.8% من الناتج المحلي في 2011-2013 إلى أقل قليلاً من 1% منذ 2022-2023.

 

شاب مصري يحمل خبزاً فوق رأسه (أ ف ب)

وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن برنامج الخبز وبطاقات التموين ليس موجهاً بدقة إلى الأكثر احتياجاً، كما أنه يشجع أنماطاً غذائية كثيفة النشويات والسعرات، مع اعتماد كبير على الخبز والزيت والسكر والأرز، بدلاً من دعم أغذية غنية بالمغذيات الدقيقة.

 

ويضيف غريب أنه لذلك، عندما رفعت الحكومة سعر الخبز المدعوم في 2024 من 5 قروش إلى 20 قرشاً للرغيف للمرة الأولى منذ عقود، لم تكن الزيادة كبيرة نقدياً فقط، بل كانت سياسية واجتماعية، وحينها كانت تنتج مصر نحو 100 مليار رغيف مدعوم سنوياً، والخبز يمثل ركناً أساسياً في غذاء السكان، خصوصاً مع وجود نحو 60% من المصريين تحت خط الفقر أو قريبين منه، وفق رويترز.

 

الاعتماد على القمح المستورد يضيف طبقة مخاطرة

تزيد قدرة المصريين على الغذاء الصحي هشاشةً بسبب اعتماد البلاد على واردات السلع الأساسية، وفق منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

 

وبلغ معدل اعتماد مصر على واردات الحبوب 43% في 2021-2023، كما أن واردات القمح مثّلت نحو نصف الاستهلاك خلال العقد الماضي، مع اعتماد كبير تاريخياً على روسيا وأوكرانيا.

 

وحاولت الحكومة تقليص هذه المخاطر عبر زيادة شراء القمح المحلي؛ ففي حزيران (يونيو) اشترت مصر 4.6 ملايين طن من القمح من المزارعين خلال موسم 2026، وهو مستوى قياسي، مدفوعة بسعر شراء حكوميّ يقارب الـ 320 دولاراً للطن، ليكون أعلى بكثير من أسعار البحر الأسود التي تراوحت ما بين 234 و240 دولاراً للطن. لكن هذا الحلّ يخفّف ضغط العملة الأجنبية والمخزون أكثر ممّا يعالج مباشرة كلفة الغذاء الصحي المتنوع للأسر.

 

مصر تؤمّن الشبع.. لا التغذية

يقول غريب إن الصورة التي ترسمها البيانات واضحة، وتشير إلى أن الدولة المصرية تستطيع عبر الخبز المدعوم والتموين منع انزلاق واسع إلى الجوع الحاد، لكنها لا تضمن لمعظم السكان نظاماً غذائياً صحياً.

 

ويكمل "الفجوة لم تعد بين من يأكل ومن لا يأكل، بل بين من يحصل على سعرات رخيصة ومن يستطيع شراء بروتين وخضراوات وفواكه وألبان بانتظام".

 

ويرى أن المسار الأكثر فاعلية، وفق قراءة أرقام البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ليس إلغاء الدعم، بل إعادة تصميمه تدريجياً، عبر توجيه أكبر إلى الفئات الأكثر هشاشة، وربط أي دعم نقديّ بالتضخم، وتحويل جزء من الإنفاق من دعم السعرات الرخيصة إلى دعم التنوع الغذائي، خصوصاً للأطفال والنساء والأسر منخفضة الدخل، ويؤكد أنه "من دون ذلك، سيبقى الغذاء الصحي في مصر أقرب إلى امتياز طبقي منه إلى حق يومي".

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية