الانفراج اللبناني – السعودي: فرصة اقتصادية لإعادة الثقة وتحريك النمو
د.علي حمود
يشكّل الانفراج المتسارع في العلاقات بين لبنان والمملكة العربية السعودية أحد أبرز التطورات الاقتصادية التي شهدها لبنان خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد القرار السعودي بإعادة فتح الأسواق أمام المنتجات اللبنانية واستئناف مسار التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين. وتأتي هذه الخطوة بعد جهود أمنية مكثفة بذلتها السلطات اللبنانية لتعزيز الرقابة على الحدود والمعابر ومكافحة تهريب الممنوعات، ولا سيما المخدرات، الأمر الذي أعاد بناء جزء مهم من الثقة المفقودة بين لبنان والدول الخليجية.
تاريخيًا، كانت المملكة العربية السعودية من أهم الشركاء الاقتصاديين للبنان. وقبل الأزمة، استحوذت الأسواق الخليجية على ما يقارب 55% من إجمالي الصادرات الزراعية اللبنانية، فيما كانت السعودية وحدها تستقبل نسبة كبيرة من هذه الصادرات. وقد أدى قرار الحظر الذي فُرض عام 2021 إلى خسائر مباشرة للمزارعين والمصدّرين اللبنانيين قُدّرت بمئات ملايين الدولارات سنويًا.
دعم مباشر للزراعة والصناعة
تُعدّ الزراعة والصناعة من أكثر القطاعات المستفيدة من إعادة فتح الأسواق السعودية والخليجية. فالقطاع الزراعي يساهم بنحو 3 إلى 4% من الناتج المحلي الإجمالي اللبناني ويوفر فرص عمل مباشرة وغير مباشرة لعشرات آلاف العائلات، فيما يساهم القطاع الصناعي بنحو 8 إلى 10% من الناتج المحلي ويُعتبر أحد أهم مصادر التصدير وجلب العملات الأجنبية.
في عام 2025، بلغت قيمة الصادرات اللبنانية نحو 3.8 مليارات دولار، وشكّلت المنتجات الزراعية والغذائية والصناعية نسبة أساسية منها. ومع إعادة فتح الأسواق السعودية، يتوقع اقتصاديون ارتفاع الصادرات اللبنانية بنسبة تتراوح ما بين 10 و20% خلال العامين المقبلين، ما قد يضيف ما بين 300 و600 مليون دولار سنويًا إلى الإيرادات التصديرية.
وتشمل المنتجات المرشحة للاستفادة المباشرة: الفواكه والخضراوات اللبنانية، زيت الزيتون، النبيذ، الصناعات الغذائية، المنتجات البلاستيكية، الأدوية، والمنتجات الكيميائية الخفيفة.
العملات الأجنبية ودعم الليرة اللبنانية
تكمن أهمية الصادرات في أنها تؤمّن تدفقًا مستدامًا للعملات الأجنبية إلى الاقتصاد اللبناني. فكل زيادة في الصادرات تعني دخول المزيد من الدولارات إلى السوق المحلية، ما يخفف الضغط على سعر صرف الليرة اللبنانية.
لكن لبنان يعاني منذ عام 2019 من أزمة نقدية حادة أدت إلى فقدان الليرة أكثر من 98% من قيمتها مقارنة بسعر الصرف الرسمي السابق. لذلك، فإن أي زيادة في تدفقات العملات الأجنبية من الصادرات أو الاستثمارات أو السياحة تساهم في تعزيز الاستقرار النقدي وتقليص الفجوة بين العرض والطلب على الدولار.
كما أن تحسن العلاقات مع السعودية قد يفتح الباب أمام عودة الاستثمارات الخليجية في قطاعات العقارات والطاقة والسياحة والخدمات، وهي استثمارات لعبت تاريخيًا دورًا أساسيًا في دعم الاقتصاد اللبناني.
الأمن الاقتصادي يبدأ من الأمن الحدودي
لم يكن القرار السعودي اقتصاديًا فقط، بل ارتبط بشكل مباشر بالملف الأمني. فقد شكّل تهريب المخدرات والممنوعات عبر بعض الشحنات اللبنانية خلال السنوات الماضية أحد الأسباب الرئيسية لتدهور العلاقات التجارية.
ومن هنا تبرز أهمية الإجراءات التي اتخذتها الأجهزة الأمنية اللبنانية في ضبط الحدود والمرافئ والمطار وتشديد الرقابة على عمليات التصدير. فنجاح لبنان في مكافحة التهريب لا يحمي علاقته مع السعودية فحسب، بل يعزز ثقة جميع الدول المستوردة بالمنتجات اللبنانية.
وتُعتبر الثقة عنصرًا أساسيًا في الاقتصاد الحديث؛ فكلما ارتفع مستوى الثقة بالأمن اللبناني وبسلامة الصادرات، ازدادت فرص دخول المنتجات اللبنانية إلى أسواق جديدة وارتفعت قدرة الشركات اللبنانية على المنافسة إقليميًا.
فرصة للنمو واستعادة الثقة
إذا استمرت إجراءات ضبط الحدود، وتعزّز التعاون الاقتصادي مع المملكة ودول مجلس التعاون الخليجي، فإن لبنان قد يتمكّن من تحقيق نمو اقتصادي إضافي يتراوح ما بين 1 و2 نقطة مئوية سنويًا فوق معدلات النمو الحالية. كما أن زيادة الصادرات والاستثمارات وتحويلات الأعمال ستساهم في تحسين ميزان المدفوعات وتعزيز احتياطات العملات الأجنبية.
إن الانفراج اللبناني – السعودي لا يمثل مجرد استئناف للتبادل التجاري، بل يشكّل فرصة استراتيجية لإعادة دمج لبنان اقتصاديًا في محيطه العربي، ودعم الزراعة والصناعة، واستعادة تدفقات الدولار، وترسيخ صورة لبنان كدولة قادرة على حماية حدودها وتأمين صادراتها. وهي خطوة قد تكون بداية مرحلة جديدة من النمو والاستقرار الاقتصادي بعد سنوات طويلة من الأزمات والانكماش.