في ليبيا التي لا تزرع سوى 1% من أرضها... الجفاف يهدّد أمنها الغذائي

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

لم يعد التغير المناخي في ليبيا قضية بيئية هامشية، بل تحول إلى تحدٍ يهدد الأمن المائي والغذائي والاستقرار الاقتصادي، في ظل تصاعد الظواهر المناخية المتطرفة منذ إعصار "دانيال" الذي ضرب شرق البلاد في سبتمبر (أيلول) 2023، وتفاقم أزمة شح المياه واتساع رقعة التصحر.

 

وتصنف الاستراتيجية الوطنية للأمن المائي 2050، التي أُعدت بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، ليبيا بين أكثر دول المنطقة تعرضاً لشح المياه، محذرة من أن الاعتماد شبه الكامل على المياه الجوفية غير المتجددة، إلى جانب تداعيات التغير المناخي، يهدد استدامة الموارد المائية.

 

وتؤكد منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) أن الجفاف وتدهور الأراضي يفاقمان مخاطر الأمن الغذائي، إذ تتلقى نحو 93 في المئة من مساحة ليبيا أقل من 100 ميلليمتر من الأمطار سنوياً، فيما لا تتجاوز الأراضي الصالحة للزراعة 1 في المئة من مساحة البلاد.

 

وتنعكس هذه التحديات على القطاع الزراعي، حيث يمثل تراجع إنتاجه مؤشراً مقلقاً على مستقبل الأمن الغذائي في بلد يضم نحو ثمانية ملايين شجرة زيتون وأكثر من عشرة ملايين نخلة. وتبدو آثار ذلك واضحة في الأسواق، مع تراجع إنتاج بعض المحاصيل وارتفاع أسعار السلع الغذائية، نتيجة تداخل عوامل مناخية واقتصادية. 

 

ندرة المياه: أحد أكبر التحديات في ليبيا

وفي ظل هذه المعطيات، بات التكيف مع التغير المناخي ضرورة تنموية وأمنية. ويرى مختصون أن الحد من آثار الأزمة يتطلب إصلاحاً شاملاً لإدارة المياه، وتطوير أنظمة الري، ومكافحة التصحر، والتوسع في استخدام الموارد المائية غير التقليدية، قبل أن تتحول ندرة المياه إلى أحد أكبر التحديات التي تواجه ليبيا.

 

يحاول المزارع محمد معاك إنقاذ شجرة زيتون صغيرة من الجفاف الذي يضرب جبال نفوسة غرب ليبيا، في 26 مايو/أيار 2024 (أ ف ب)

 

ويقول رئيس شبكة التغير المناخي العربي، الأكاديمي الليبي الدكتور سامي الأوجلي، إن الطبيعة الصحراوية لليبيا واعتمادها الرئيسي على المياه الجوفية يجعلانها من أكثر الدول تأثراً بتداعيات التغير المناخي، وخصوصاً في قطاع المياه. ويوضح لـ"النهار" أن ارتفاع درجات الحرارة أدى إلى تراجع إنتاج محاصيل عدة، بينها النخيل وبعض الخضر، مقارنة بالسنوات السابقة.

 

ويرى الأوجلي أن الانقسام السياسي وضعف مؤسسات الدولة منذ عام 2011 فاقما أزمة إدارة الموارد المائية، مشيراً إلى افتقار ليبيا للدراسات الميدانية التي ترصد بدقة التأثيرات المستقبلية للتغير المناخي، رغم أن ندرة المياه باتت واقعاً قائماً.

 

كما يحذر من اتساع التصحر نتيجة غياب التشريعات الرادعة لقطع الأشجار والتوسع العمراني العشوائي على حساب الأراضي الزراعية، وتأثيراتها طاولت أيضاً النظام البيئي والتنوع الحيوي، الأمر الذي يستدعي سياسات وطنية أكثر فاعلية لحماية الموارد الطبيعية.

 

مزارع ليبي يقطع ثمرة البابايا في حقل بمدينة بنغازي الساحلية بشرق ليبيا في 6 حزيران/يونيو 2020 (أ ف ب)

 

ليبيا أفقر دول العالم بالموارد المائية المتجددة

ويتفق معه أستاذ الزراعة في جامعة بنغازي الدكتور عبدالله العلواني، الذي يرى أن التغير المناخي أصبح أحد أبرز العوامل التي تعمق أزمة المياه في ليبيا، المصنفة بين أفقر دول العالم من حيث الموارد المائية المتجددة. ويوضح أن ارتفاع درجات الحرارة، وتراجع معدلات الأمطار وعدم انتظامها، وازدياد ملوحة المياه، وضعف تجدد المخزون الجوفي، تشكل مجتمعة تهديداً مباشراً للإنتاج الزراعي والأمن المائي.

 

ويضيف أن دراسات اعتمدت على صور الأقمار الاصطناعية أظهرت تراجعاً واضحاً في الغطاء النباتي، وخصوصاً في شمال البلاد، وهو مؤشر يعكس اتساع آثار الجفاف وتدهور الأراضي. ويرى أن تعزيز قدرة ليبيا على التكيف مع هذه التحولات يتطلب الاستثمار في معالجة المياه، وتحديث أنظمة الري، وتطوير الممارسات الزراعية، بالتوازي مع إصلاح إدارة الموارد المائية ومكافحة التصحر.

 

في بلد لا تتجاوز الأراضي الصالحة للزراعة فيه واحداً في المئة من مساحته، تبدو كل خسارة في المياه أو التربة مضاعفة الأثر. لذلك، لم يعد التكيف مع الجفاف خياراً تنموياً فحسب، بل بات شرطاً أساسياً للحفاظ على ما تبقى من الإنتاج الزراعي، ومنع تحول ندرة المياه إلى أزمة غذائية أعمق في السنوات المقبلة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية