فاشيّة إسرائيل تفضح أوهاماً عن “ديمقراطيتها الأخلاقية”
لم يعد ممكناً، بعد كل ما جرى (ويجري) في فلسطين المحتلّة، الاستمرار في ترديد الأسطوانة المُضلِّلة التي تقدّم إسرائيل “الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط” أو “الدولة المتحضّرة والمزدهرة” وسط محيط عربي متّهم بالتخلّف والاستبداد. فهذه الصورة التي سُوّقت لعقود طويلة في الإعلام الإسرائيلي والغربي، لم تعد تصمد أمام سيل الوقائع الدامية التي تكشف، يوماً بعد آخر، الطبيعة الحقيقية للمشروع الصهيوني القائم على الإقصاء والمحو المادّي والرمزي والعنصرية والقوة الغاشمة. أين سيُخفي المدافعون عن إسرائيل وجوههم وهم يشاهدون حكومة يمينية متطرّفة تدير حرباً مفتوحة ضدّ شعب أعزل، وتمارس القتل الجماعي والحصار والتجويع والتدمير الممنهج؟ وأين سيذهب أولئك المتصهينون الذين لا يجدون أي حرج أخلاقي أو إنساني في تبرير الجرائم الإسرائيلية، بل يتحوّل بعضهم إلى أدوات تحريض ضدّ الفلسطينيين، وكلّ من يناصر حقّهم في الحرّية والكرامة والاستقلال؟
شهدت القضية الفلسطينية أخيراً تحوّلاً تراجيدياً خطيراً، فإسرائيل استغلّت، بذكاء وقسوة في آن، حالة الضعف والترهّل التي أصابت السلطة الفلسطينية، واستفادت من حالة الانقسام التي نخرت الجسد الوطني الفلسطيني، لتنتقل من سياسة إدارة الصراع إلى سياسة تصفية القضية نفسها. لم يعد الأمر يتعلّق بإجهاض مشروع الدولة الفلسطينية فقط، بل بتقويض أي فرصة تاريخية للوصول إلى سلام عادل، تمهيداً لتفعيل مخطّط محو فلسطين من الوجود السياسي والرمزي والجغرافي. في المقابل، تنتعش في إسرائيل نزعة عقائدية متطرّفة تستند إلى أوهام “إسرائيل الكُبرى”، وتستثمر في الخطاب الديني والقومي المتعصّب لتبرير التوسّع والاستيطان وابتلاع الأرض الفلسطينية، وسط صمت دولي مريب وعجز عربي غير مسبوق.
لقد أدرك بنيامين نتنياهو الذي يقود أشدّ الحكومات تطرفاً ويمينية، أكثر من أي وقت، أنّ البيئة الإقليمية أصبحت مواتية لمشروعه. فالعالم العربي يعيش حالة إنهاك سياسي واستراتيجي، وعدة أنظمة مكبّلة بالكامل بـ”الفيتو” الأميركي، الحليف التاريخي والمقدَّس لإسرائيل. كما أنّ ما سمّيت “اتفاقات أبراهام” منحت حكومة اليمين الإسرائيلي شعوراً غير مسبوق بالحصانة، وشجّعتها على مزيد من التغوّل والتمدّد، ليس فقط داخل الأراضي الفلسطينية، بل حتّى عبر الاعتداء على سيادة دول مجاورة، واغتيال شخصيات وقادة، وتدمير بنى تحتية ومقدّرات اقتصادية من دون خوف من المحاسبة.
لقد تحوّل التطبيع، في حالاتٍ كثيرة، إلى غطاء سياسي وأخلاقي تستفيد منه إسرائيل لتكريس الأمر الواقع. وما يتعرّض له الفلسطينيون يومياً في الضفة الغربية من اعتداءات المستوطنين، تحت حماية الجيش الإسرائيلي، وما يرافق هذا من اقتحامات متكرّرة للمسجد الأقصى وانتهاك لحرمة المقدَّسات، يكشف أنّ إسرائيل لم تتعامل مع التطبيع باعتباره مدخلاً للسلام، بل باعتباره قيداً جديداً يكبّل الأنظمة العربية، ويمنحها هامشاً أوسع للبطش والتوسّع. وانعكست هجمة التطبيع سلباً على مكانة القضية الفلسطينية، فالخطاب الإعلامي والثقافي والتربوي داخل بعض الدول المطبعة، الذي كان يستخدم سابقاً توصيفات من قبيل “العدو الصهيوني” أو “الاحتلال”، أصبح يعتمد لغة أكثر حياداً أو غموضاً، تُقدَّم فيها القضية الفلسطينية باعتبارها “نزاعاً” منزوعاً من سياقيه الاستعماري والاستيطاني. كما شهدت المناهج التعليمية مراجعات أثارت جدلاً واسعاً، شملت حذف أو تخفيف مضامين مرتبطة بالقضية الفلسطينية أو بتاريخ الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تحت عناوين “مكافحة الكراهية”، أو “تعزيز ثقافة التعايش والتسامح”.
ولا يتعلّق الأمر هنا بالدعوة إلى التحريض أو نشر خطاب الكراهية، بل بالخوف من أن تتحوّل مراجعة المناهج إلى عملية تفريغ للذاكرة الجماعية من مضامينها التحرّرية والإنسانية، وإلى إعادة إنتاج وعي بديل يفصل الأجيال الصاعدة عن القضية الفلسطينية وعن رمزية التضامن مع الشعوب تحت الاحتلال. ومن المؤشّرات اللافتة، في هذا السياق أيضاً، التراجع الملحوظ في طبيعة الفعّاليات التضامنية الرسمية مع الشعب الفلسطيني داخل بعض الدول المُطبِّعة. فبينما كانت الخطابات السياسية سابقاً تُسمّي الاحتلال بشكل مباشر، وتحمّله مسؤولية الانتهاكات، أصبحت مواقف رسمية كثيرة، وعدة أحزاب ومنظّمات مدنية ومثقّفون عديدون، يتحدّثون عن معاناة الفلسطينيين بلغة عامّة ومجرّدة، من دون تسمية الطرف المسؤول عن الإبادة والحصار والاستيطان والقتل والتهجير، وكأنّ المأساة الفلسطينية خارج التاريخ والسياسة والجغرافيا، أو أنّ الاحتلال بات موضوعاً محرجاً ينبغي تجنّب ذكره حفاظاً على التوازنات الدبلوماسية الجديدة، ومراعاة للمصالح الوطنية للدول المُطبِّعة.
يكشف هذا التحوّل في الخطاب أن التطبيع لا يقتصر على العلاقات بين الدول، بل يمتدّ إلى إعادة هندسة المجالين، الرمزي والثقافي، من خلال ضبط اللغة وبرمجتها، وتوجيه الإعلام، ومراجعة المناهج، والحدّ من أشكال التعبير الشعبي المتضامن مع فلسطين، لذلك ترى الحركات والمنظّمات المناهضة للتطبيع، خصوصاً في المغرب، أنّ مواجهة التطبيع لم تعد مجرّد موقف سياسي، بل أصبحت معركة دفاع عن الذاكرة والهُويّة والوعي الجماعي.
أخطر ما يمكن أن ينتجه التطبيع ليس فقط تغيير السياسات الرسمية، بل تحويل الاحتلال تدريجياً إلى واقع عادي داخل مجتمعات الدول المُطبِّعة، فتفقد فلسطين مكانتها الرمزية والأخلاقية في الضمير الجمعي. ولهذا تبقى المعركة الحقيقية، إلى جانب البعد السياسي، معركة الوعي والذاكرة والسردية، لأنّ الشعوب التي تُنتزع منها ذاكرتها يسهل إعادة تشكيل تمثّلاتها ومواقفها ومستقبلها.
دخلت آلة الانتقام الإسرائيلية، في ظلّ الحكومة اليمينية المتطرّفة التي يرأسها نتنياهو، مرحلة غير مسبوقة من العنف والتوحّش، تجاوزت الحدود الأخلاقية والقانونية كلّها، إذ وجدت في عملية التطبيع و”طوفان الأقصى” ذريعة وغطاءً، فانخرطت في حرب الإبادة الجماعية والتطهير العرقي والتجويع والتهجير والتنكيل بالأسرى، وتحوّلت هذه الممارسات الوحشية سياسة ممنهجة تحظى بغطاء سياسي وتشريعي. ولعلّ أخطر ما يكشف طبيعة هذا الانحدار الأخلاقي إقرار الكنيست قوانين ذات طابع عنصري وانتقامي، منها مشاريع تتعلّق بإعدام أسرى فلسطينيين، على إيقاع انتشاء مستفزّ واحتفاء صاخب من رموز الصهيونية الدينية المتطرّفة، وفي مقدّمتهم إيتمار بن غفير، الذي تعامل مع الأمر كأنّه “انتصار تاريخي”.
الصدمة الكُبرى جاءت هذه المرّة من داخل الإعلام الأميركي نفسه. فقد أثار مقال نشرته صحيفة نيويورك تايمز، للكاتب الأميركي الحائز جائزة بوليتزر، نيكولاس كريستوف، موجة واسعة من التفاعل، بعدما سلّط الضوء على شهادات وتقارير حقوقية عن تعرّض معتقلين فلسطينيين لانتهاكات جنسية وتعذيب داخل مراكز الاحتجاز الإسرائيلية، بما في ذلك اتهامات باستخدام الكلاب خلال عمليات اغتصاب واعتداء على الأسرى داخل معسكر سديه تيمان. وليست خطورة هذا المقال في مضمون الوقائع التي أوردها فقط، بل أيضاً في الجهة التي نشرته. فحين تصدر مثل هذه الاتهامات عن صحيفة أميركية عريقة ووازنة، لطالما اعتُبرت جزءاً من المؤسّسة الإعلامية الغربية المؤثّرة، فهذا يعني أنّ الرواية الإسرائيلية التقليدية بدأت تفقد قدرتها على إخفاء الحقيقة أو احتكار السردية.
التقارير الحقوقية التي استند إليها المقال، ومنها تقارير صادرة عن منظّمات مثل المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان والمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، تحدّثت عن ممارسات صادمة: تعذيب وتجريد قسري من الملابس وإهانات ممنهجة واعتداءات ذات طابع جنسي تمسّ الكرامة الإنسانية بوحشية. ولو أنّ هذه المعطيات صدرت فقط عن إعلام فلسطيني أو عربي، لسارع كثيرون إلى اتهامها بالمبالغة والدعاية، لكن هذه الشهادات حين تصبح مادّة للنقاش في الصحافة الأميركية نفسها، فهذا يمثّل ضربة قوية للصورة التي حاولت إسرائيل تسويقها طويلاً عن “أخلاقية جيشها” و”تمدّن مؤسّساتها”.
لا يكشف ما يحدث اليوم فقط أزمة سياسية أو عسكرية، بل انهياراً أخلاقياً عميقاً داخل المشروع الصهيوني نفسه، فالدولة التي تدّعي الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان لا يمكن أن تستمرّ في تبرير القتل والعقاب الجماعي والتعذيب والاستيطان، ثمّ تطالب العالم، في الوقت نفسه، بالتصفيق لـ”قيمها الحضارية”. لقد سقط القناع. ولم تعد المشكلة في غياب الأدلّة، بل في وجود عالم يرى هذا الحجم كلّه من الهمجية والتوحّش، ويختار الصمت أو التواطؤ.
وما صدر من ردّات فعل متشنّجة إسرائيلية، عقب رفع نجم برشلونة الشابّ لامين يامال العلم الفلسطيني على متن الحافلة المكشوفة التي جابت شوارع برشلونة، وسط هتافات آلاف المشجّعين الذين احتشدوا للاحتفال بتتويج فريقهم بلقب الدوري الإسباني، يكشف بوضوح حجم الأزمة الأخلاقية والسياسية المزمنة التي باتت تعيشها الحكومة الإسرائيلية الفاشية، وعجزها المتزايد عن تقبّل أي صوت متعاطف مع الفلسطينيين، حتّى إن صدر عن شابّ رياضي، قام بالتعبير الإنساني عن موقف وجداني لدى ملايين البشر. فالهجوم الذي شنّه وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس ضدّ لامين يامال لم يكن مجرّد ردّة فعل سياسية منفعلة، بل جاء محمّلاً بجرعة عالية من التحريض والعجرفة، ومحاولة فرض الوصاية الأخلاقية على الرأي العام الأوروبي. فمجرّد رفع علم فلسطين اعتُبر، وفق المنطق الإسرائيلي الرسمي، “دعماً للكراهية” و”تحريضاً ضدّ إسرائيل”، في خلط متعمّد بين التضامن الإنساني والعداء لليهود، وهي المعادلة التي تحاول إسرائيل تسويقها منذ سنوات لإسكات كلّ انتقاد لسياستها في غزّة والضفة الغربية، ولكن الردّ الإسباني جاء صريحاً وحاسماً، ليس فقط دفاعاً عن لاعب كرة قدم، بل دفاعاً عن الحقّ في التعبير وعن القيم الإنسانية. فقد عبّر رئيس الحكومة، بيدرو سانشيز، عن موقف شجاع، حين اعتبر أنّ من يرى في رفع علم دولة ما “تحريضاً على الكراهية” يعاني إمّا من فقدان البوصلة العقلية، أو من عمى أخلاقي متعمَّد. بهذا الموقف، لم يدافع سانشيز عن يامال فحسب، بل أيضاً عن فكرة أساسية: التضامن مع الضحايا ليس جريمة، والصمت أمام المآسي ليس حياداً، بل تواطؤاً أخلاقياً.
المصدر: العربي الجديد