غياب ميشال المعلولي أحد آباء اتفاق الطائف يضيء مجدداً على مداولات "دستور" تلاعبوا به

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

غيّب الموت أمس أحد آباء اتفاق الطائف، نائب رئيس مجلس النواب النائب السابق (1972-1992) ميشال المعلولي الذي كان شاهداً على مرحلة حساسة وأساسية في الحرب، دفعت إلى اتفاق الطائف الذي غيّر الكثير في المعادلات اللبنانية، وكان يمكن، لو طبّق فعلياً كما اتفق عليه في مدينة الطائف السعودية، أن ينقل لبنان إلى مرحلة جديدة. لكن "ما فعله النظام السوري بعدما جرى تسليمه الوصاية على لبنان ودولته، أنه اختار من بنود الاتفاق ما يلائم مصالحه وسيطرته على الدولة اللبنانية، وجعل من التلاعب بقوانين الانتخابات وأنظمتها ودوائرها مطيّة إلى هذه السيطرة" وفق المعلولي، الشخصية الجدلية، هو الذي انتمى إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، واقترع في الوقت عينه، عن اقتناع، لقائد "القوات اللبنانية" بشير الجميل رئيساً للجمهورية، وحذره من التنقل خوفاً عليه. 

بوفاة المعلولي، أعود إلى بعض ما قرأته في كتابين له، الأول صدر عن "دار النهار" عام 2011، وفتح فيه، وبعده في حوارات عدة، أبرز النقاط التي كانت متداولة، وقد غابت مع محاضر النقاشات التي "أخفاها الرئيس حسين الحسيني"، معتبراً كما ردّد أمامي أكثر من مرة أنها مجرّد مسوّدات للبحث، وأنها يمكن أن تثير مشكلات إذ تتضمن الكثير من الآراء الشخصية المبالغ فيها، أو المتطرفة، والمداولات الداخلية، وهو ما كان يخالفه فيه المعلولي، إذ يرى أن المداولات والأوراق المتعلقة بها تشكل المرجع للتفسير، خصوصا أن مواد كثيرة أقرت، ظلت ملتبسة إلى حد بعيد.

 

يقول المعلولي في حديث إلى "النهار" عام 2011، إن اتفاق الطائف نص على 36 دائرة انتخابية، كل واحدة تضم ثلاثة نواب، ولا نسبية فيها. وهكذا يبلغ العدد 108 نواب، أي 36 دائرة بـ3 نواب. لكن الإرادة السورية شاءت رفع العدد إلى 148 لتضمن السيطرة على المجلس، وأدت الجدالات اللاحقة إلى زيادة 20 فقط، تم توزيعهم وفق ما أراده السوري. 

 

فقد نصت وثيقة الوفاق الوطني أو اتفاق الطائف، الذي اعتُمد دستوراً جديداً للدولة اللبنانية، على اعتماد المحافظة دائرة انتخابية، مشترطاً إعادة النظر في التقسيم الإداري. وبما أن الدساتير لا تنص في متنها على تفاصيل بنودها، فإن العودة إلى المحاضر التي أدت إلى وضع بنود الطائف هي التي توضح الأسس التي يجب اعتمادها في تقسيم الدوائر الانتخابية. 

 

يقول المعلولي: "في باب الإصلاحات التي نص عليها اتفاق الطائف، بند يتعلق بقانون الانتخابات النيابية. ينص هذا البند، حرفيا، على أن "تجرى الانتخابات النيابية وفقاً لقانون انتخاب جديد على أساس المحافظة، يراعي القواعد التي تضمن العيش المشترك بين اللبنانيين، وتؤمن صحة التمثيل السياسي لشتى فئات الشعب وأجياله، وفعالية ذلك التمثيل، بعد إعادة النظر في التقسيم الإداري في إطار وحدة الأرض والشعب والمؤسسات. وعبارة "إعادة النظر في التقسيم الإداري" هي بيت القصيد في مسألة "إجراء الانتخابات على أساس المحافظة". وإذا قال قائل إن الدستور سكت عن ماهية التقسيم الإداري ولم يحدده، وجب علينا التوجه إلى المشترع بالسؤال عن ماهية ذلك التقسيم، ذلك أن الدساتير والقوانين هي حصيلة مناقشات طويلة ووجهات نظر كثيرة ومتعددة. 

 

ميشال المعلولي (أرشيفية).

 

وما اتفق عليه آنذاك كان يمكن أن يؤدي إلى تفكيك ما سمي "المحادل الانتخابية"، والحدّ من استزلام المرشحين للزعماء ورؤساء اللوائح الانتخابية، وصولاً إلى تمثيل صحيح وحقيقي ومتوازن للناخبين، جماعات ومواطنين. وهذا ما تضمنه الدوائر الصغرى التي تغني عن اعتماد النسبية وتعقيداتها ومساوئها.

 

ولو أن المحاضر لم تختفِ من أرشيف مجلس النواب ووثائقه، لكان يمكن أيّا كان الاطلاع عليها وتوضيح مقاصد النواب في مسألة التقسيم الإداري التي توافقوا عليها وأدرجوها في النص الدستوري.

إن ما قصده المشترع في الطائف في ما يتعلق بالانتخابات، هو وضع قانون ديموقراطي عصري للانتخاب يوفر التمثيل الصحيح لفئات الشعب وأجياله على أساس تقسيم إداري جديد، عبر تحويل الأقضية محافظات تكون هي الدوائر الانتخابية، وصولاً إلى الدائرة الفردية المعتمدة في الأنظمة الديموقراطية المتقدمة. 

 

ويؤكد المعلولي أن "اجتماعات الطائف كلها لم تأتِ قط على ذكر النسبية في الانتخابات النيابية، إلا في موضع واحد يشير إلى اعتماد النسبية في تمثيل الطوائف في مجلس النواب". 

 

ويضيف متسائلا عن اللامركزية: "اللامركزية الإدارية الموسعة التي أقررناها تشبه ما حصل في سويسرا. سويسرا لم تتجاوز صراعاتها إلا بعدما أصبحت كانتونات. قلنا إن اللامركزيات تتسلم نفسها باستثناء أمرين: الخارجية وقيادة الجيش اللبناني. صحيح أن ما وقعناه نوع من الفيديرالية لكننا لم نسمه فيديرالية التي هي أساسا كلمة أجنبية لا عربية، وترجمتها كانت في الطائف في لغتنا العربية: اللامركزية الإدارية الموسعة".

 

وكان حذّر مراراً من طرح موضوع التعديلات الدستورية: المؤسف أن كثيرين اليوم، ومنهم البطريرك الماروني، يتحدثون عن ضرورة تعديل دستور الطائف، غير مدركين أن فتح باب تعديل أيّ بند من الدستور، سوف يؤدي، بالضرورة، إلى تشريع باب التعديل على مصراعيه إلى ما لا نهاية، ما قد يفضي إلى حروب جديدة في لبنان.

 

ويخلص إلى القول عن اتفاق الطائف (ص214-215): "نعم، لقد أوقف اتفاق الطائف الاقتتال. لكنه لم ينزع السلاح من أيدي الأحزاب والميليشيات والمنظمات الفلسطينية، ولم يتمكن بالتالي من بناء دولة الاستقلال الجديد. على أن هذا الاتفاق لن يطبق بأكثرية بنوده، وبالتالي فإن الدستور نفسه سوف يعاني تفسيرات وخلافات حادة، وقد كان من المفترض به أن يضع الأسس الثابتة لبناء لبنان الجديد".

 

وبعيداً من السياسة، أعود أيضاً إلى حوار شخصي أجرته معه الزميلة نوال نصر، يعرب فيه عن خيبة أمله من كل شيء، من الوضع العام، ومن وضعه الاجتماعي والمالي، ومن الحزب الذي انتمى إليه، ومن الأصدقاء الذين تفرقوا، ومن النواب السابقين زملائه، وصولاً إلى ابتعاده عن القراءة، والاكتفاء بالصلاة والاستماع إلى بعض الموسيقى فقط. 

 

يختم: "لم أخرج من المعادلة، بل أخرجوني. يجب أن تكون مستعداً للسرقة ولديك شركاء ومعلّم لتكون في المعادلة".

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية