"عكار ليست للبيع"... أزمة نفايات شمال لبنان ورفضٌ لخيار نقلها إلى مكب سرار

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

من جديد، عادت إلى الواجهة مشكلة نقل النفايات من مناطق عدّة وخاصّة من طرابلس وأقضية شمالية كالضنية وبعض منطقة الكورة إلى مكب سرار في محافظة عكار شمال لبنان، والذي أساساً لا تكتمل فيه الشروط والمواصفات القانونية، لتقلق أهالي هذه المنطقة وبخاصة أبناء البلدات والقرى الواقعة في محيط هذا المكب، الذي بالأساس ووفق خبراء ومختصّين يهدّد السلامة والصحة العامة، وعصارة النفايات التي ترمى فيه منذ سنوات عدّة وهي بمئات آلاف الأطنان قد أضرّت بالتربة وبالمياه الجوفية، وبكونها شتاءً تتسرّب عبر الأودية المحيطة وتنقلها مياه الأمطار بشكل مباشر إلى الأراضي الزراعية عند القسم الشمالي من سهل عكار.

ولطالما اشتكى أهالي هذه المنطقة من عمليات الحرق المتعمّدة للنفايات التي تحصل داخل هذا المكب وينتشر دخانها السام والمؤذي في محيطه وعلى امتداد عشرات الكيلومترات. وقد رُفعت أكثر من مرّة دعاوى وشكاوى أمام الجهّات الرسمية المختصّة لإقفال هذا المكب الذي يستوعب اليوم نفايات أكثر من مئة بلدة عكارية .

آلاف الأطنان...
أشار متابعون إلى أن ما يطرح اليوم سواء في مدينة طرابلس وفي اتّحادات بلدياتها لنقل النفايات إلى مكب سرار بحجّة أن مكب طرابلس قد بلغ طاقته الاستيعابية القصوى، وقد جرى بحث هذا الوضع في اجتماع على أعلى المستويات في الدولة، واحتمالات نقل النفايات وهي بآلاف الأطنان يومياً إلى مطمر سرار، أمر لا بد أنّه سيسبّب بثورة شعبية كبيرة رافضة لهذا الأمر، ذلك أن أهالي عكار والناشطون البيئيون فيها يرفضون رفضاً قاطعاً بأن تتحوّل عكار إلى مزبلة أو حلّاً لمشكلة النفايات اليوم في الشمال وغداً في كل لبنان، وهذا أمر لن يحصل وسيتم مواجهته بقوّة وللأمر سوابق حيث أفشل العكاريون هذا المشروع يوم كان وزير الداخلية نهاد المشنوق.

وهذا ما عبّر عنه الحراك المدني العكاري في بيان شديد اللهجة، أكّد فيه الرفض القاطع والمطلق لأي مشروع أو اتّفاق أو تفاهم يهدف إلى نقل مئات الأطنان من نفايات طرابلس واتّحاد بلدياتها إلى منطقة سرار أو إلى أي بقعة من محافظة عكار التي لا يمكن السماح لأي كان بجعلها مكبّاً للنفايات، ولن تكون الثمن الذي يُدفع لحل أزمات الآخرين على حساب صحّة أهلها وبيئتها وثروتها الزراعية ومياهها الجوفية ومستقبلها الاقتصادي والسياحي، ولا على حساب مشاريعها الحيوية، وفي مقدّمتها مطار الرئيس الشهيد رينيه معوض، ومرفأ العبدة، والمواقع الطبيعية والأثرية.

 

مكب سرار. (النهار)

 

وقال الحراك: "إذا كانت المعلومات المتداولة عن وجود اتّفاقات واجتماعات واتّصالات تُدار بعيداً عن الرأي العام صحيحة، فإنّنا نطالب بكشف الحقيقة كاملة أمام أبناء عكار، وإعلان جميع تفاصيل هذا الملف بمنتهى الشفافية. ونسأل نواب عكار، والفعاليات السياسية، والمرجعيات الدينية، والبلديات واتّحاداتها: هل أنتم على علم بما يُحاك؟ وما هو موقفكم الواضح والصريح من مشروع يهدّد حاضر عكار ومستقبلها؟ أم أن الصمت أصبح موافقة ضمنية؟ ونسأل: من هو المستفيد الحقيقي من تحويل عكار إلى وجهة لنفايات الآخرين؟ ومن سيجني الأرباح، ومن سيدفع الثمن؟ هل سيدفعه أصحاب القرار، أم سيدفعه أبناء عكار بصحتهم وأرضهم ومياههم ومستقبل أولادهم؟".

وحمّل الحراك "كل جهّة سياسية أو بلدية أو رسمية أو إدارية، وكل من يشارك أو يسهّل أو يغطي هذا المشروع، المسؤولية الكاملة عن أي ضرر بيئي أو صحي أو اقتصادي قد يلحق بعكار وأهلها"، مؤكّداً أن "أبناء عكار لن يقبلوا بفرض هذا الواقع عليهم، وسيواجهونه بكل الوسائل القانونية والديمقراطية والشعبية، أي محاولة لتحويل محافظتهم إلى مطمر أو مكب لنفايات الآخرين، وأن عكار أيضاً سبق أن رفضت أن تكون مكبّاً لنفايات بيروت، رغم كل الضغوط والإغراءات، وسترفض اليوم وغداً أن تكون مكبّاً لنفايات طرابلس أو أي منطقة أخرى".

ولفت إلى أن "مسؤولية معالجة أزمة النفايات تقع على عاتق بلدية طرابلس واتحاد بلديات الفيحاء، الذي يضم بلديات طرابلس، الميناء، البداوي، والقلمون، وعليهم إيجاد الحلول المستدامة داخل نطاقهم الجغرافي، بعيداً عن نقل الأزمة إلى محافظة أخرى ودفع أبناء عكار ثمن فشل السياسات والإدارات في إدارة هذا الملف. إن صحّة المواطن العكاري، وبيئة عكار، ومياهها الجوفية، وأراضيها الزراعية، ليست سلعة للمساومة ولا ورقة لحل أزمات الآخرين، وأي محاولة لفرض هذا المشروع ستواجه برفض شعبي ومدني واسع، ولن تمر مهما كانت الضغوط أو الإغراءات".

وختم: "عكار ليست الحلقة الأضعف، ومن يعتقد أن هذا المشروع سيمر بصمت فهو واهم. إن عكار تستحق التنمية والاستثمار والمشاريع المنتجة، لا شاحنات النفايات وجبالها. عكار ليست للبيع... وعكار ليست مكبّاً لأحد. فليتحمل كل صامت مسؤوليته أمام الناس والتاريخ، لأن السكوت عن هذه الجريمة البيئية هو شراكة فيها."

"كل الخيارات"
بدوره، أصدر اتّحاد بلديات الفيحاء بياناً توضيحاً بشأت الملف، أشار فيه إلى أن "ما يتم تداوله حول نقل نفايات طرابلس إلى عكار يجتزئ الملف من سياقه التقني والبيئي، ويعطي انطباعاً غير دقيق وكأن هناك قراراً نهائياً أو سرّياً بنقل الأزمة من منطقة إلى أخرى".

وقال: "الحقيقة أن الاتحاد، في ظل اقتراب المطمر الحالي من حدوده القصوى، يدرس كل الخيارات الممكنة لتفادي وقوع أزمة نفايات مفتوحة في الشوارع، وذلك ضمن مقاربة علمية وبيئية تقوم على الفرز، المعالجة، تقليل كميات الطمر، والبحث عن حلول موقتة إلى حين الوصول إلى حل مستدام".

ولفت إلى أن "مطمر سرار طُرح كأحد الخيارات المؤقتة الممكنة للنفايات ، بعد ضغطها وسحب العصارة منها ومعالجتها، ما يضمن تقليص حجمها للنصف والتقليل من وتيرة الشاحنات بشكل كبير. وسرار لن يكون وجهة نهائية ودائمة لنفايات طرابلس، ولا كمكب مفتوح لأي نفايات كيفما كان. وأي خيار من هذا النوع لا يمكن أن يُعتمد إلا ضمن الشروط القانونية والبيئية اللازمة، وبعد تأمين التمويل، وموافقة الجهات الرسمية المختصّة ووزارة البيئة، والتشاور مع البلديات والمناطق المعنية".

وأكّد الاتحاد بوضوح أنّه "لا يقبل بنقل المشكلة من منطقة إلى أخرى، ولا بتحميل أي منطقة، سواء في عكار أو غيرها، أي عبء بيئي أو صحي من دون ضمانات واضحة وقرار رسمي مسؤول. إن المطلوب اليوم هو مقاربة ملف النفايات بجدية وشفافية، بعيداً عن التهويل أو إثارة المخاوف بين المناطق. فالأزمة حقيقية، والوقت يضغط، لكن الحل لا يكون بالشائعات، بل بخطة واضحة تقوم على الفرز والمعالجة والطمر المحدود للعوادم فقط، وبالتنسيق الكامل مع الدولة والجهات المعنية".

وختم: "اتحاد بلديات الفيحاء مستعد لعرض كل الخيارات المطروحة بشفافية أمام الرأي العام والجهّات الرسمية، لأن صحّة الناس في طرابلس وعكار وكل الشمال خط أحمر، ولا يمكن أن تكون مادة للمزايدة أو التخويف".

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية