عفو عام أم سجن عام؟
المحامية داليدا حبشي
لعل قانون العفو العام دخل ضمن أولويات مجلس النواب اليوم على الرغم من وجود الكثير من الملفات التي تفوقه أهمية" وإلحاحا" وتستدعي فتح أبواب المجلس. قانون جمع السياسيين في لبنان فيما عجزت عن ذلك القوانين الأخرى، في مرحلة مفصلية تفاقمت فيها الأزمات الاقتصادية وكثرت الضغوط السياسية فأصبح قانون العفو العام أولوية الأولويات على قاعدة ما تفرقه العقيدة والقضية تجمعه المصالح.
السياسيون حريصون اليوم وفي عز الأزمات المطبقة على لبنان واللبنانيين على أن يعالجوا مشكلة الاكتظاظ في السجون وظاهرة التوقيف الاحتياطي المتمادي المخالف للمادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والمادة 60 من قانون تنظيم السجون مع العلم أن هذه الإشكالية مزمنة وليست وليدة اللحظة وحلولها موجودة في الأدراج منذ عقود. ولكن السؤال الذي يطرح، لماذا أهملت الدولة اللبنانية هذه المشكلة المتفاقمة عبر الزمن ولم تقدم الحكومات المتعاقبة على معالجتها بالطرق القضائية والقانونية؟ أحقا" هذا القانون الموضوع ضمن أولويات السياسيين اليوم يهدف الى إنصار الحق وكف الظلم عن المظلومين أم هو ظلم وسجن حقيقي لمجتمع تحكمه المهاترات السياسية وعقد الصفقات؟
لعل معالجة أزمة اكتظاظ السجون تكون باعتماد استراتيجية قضائية تتعاون فيها الدولة من جهة وأقطاب العدالة من محامين وقضاة من جهة أخرى، فربما ذلك يكون أكثر عدالة" للمتهمين وللضحايا على السواء من قانون عفو عام تتسابق فيه الكتل السياسية والأحزاب على تحقيق مكاسب سياسية على ضرائح الأبرياء في بلد تتكاثر فيه الأزمات وتتسابق فيه الأولويات.
أسباب الاكتظاظ في السجون اللبنانية تعود الى الأزمات التي تتالت على لبنان في السنوات الأخيرة ولاسيما السياسية منها والتي أدت الى شلل في العمل القضائي وتباطؤ في إجراءات المحاكمة. والحلول تكمن أولا" بتطبيق مبدأ فصل السلطات الذي نص عليه الدستور اللبناني وبإقرار قانون استقلالية القضاء ومنع التدخلات السياسية في العمل القضائي. كما إنه لا بد من زيادة عدد القضاة الناظرين في القضايا الجزائية لتخفيف الضغط عن قضاة الجزاء الحاليين الذين ينظرون بآلاف الملفات ويشاركون كأعضاء ومستشارين في العديد من المحاكم والهيئات. كذلك لا بد من تعديل قانون أصول المحاكمات الجزائية لتسريع الإجراءات القانونية والحد من المماطلة المقصودة وغير المقصودة، والعمل على جلب المتهمين لحضور جلسات المحاكمة عبر تسهيل سوقهم وإنشاء محاكم في السجون وإحياء عملها كمحكمة سجن رومية. إضافة" الى ذلك لا بد من التنسيق الكامل مع نقابة المحامين لتأمين ما يلزم من المحامين لتأمين حق الدفاع المكرس في القانون.
اليوم وككل يوم يتصارع السياسيون في لبنان على تحقيق المكاسب والمصالح لإقامة التوازنات الطائفية فابتعد قانون العفو العام عن هدفه وهو تحقيق العدالة الاجتماعية وحولته الممارسات السياسية الى ورقة مساومة حيث يسعى الشيعة الى تحرير مجرمي المخدرات والسنة الى تحرير المتهمين بالارهاب والمسيحيون الى تحرير الجنوبيين المتهمين بالتعامل مع اسرائيل. تحديد فئات واستثناء أخرى واختيار مجلس النواب سلفا" لمن يستحق العفو ومن لا يشمله وفقا" للمصالح الطائفية يشكل تعديا" واضحا" على صلاحية السلطة القضائية ومسا مباشرا بدور القضاء حيث تحول العفو العام عمليا" الى إفلات من العقاب للمجرمين وعقاب للضحايا وذويهم، فبذلك نكون قد استبدلنا ظلم التوقيف التعسفي الى ظلم أشد وهو اللاعدالة.
المعيار يجب ان يكون نوع الجرم ومقدار العقوبة وليس الانتماء الطائفي والسياسي لذلك يجب أن يبنى العفو العام على أسسس قانونية واضحة عبر تشكيل هيئة قضائية مستقلة تتولى البت بطلبات الاستفادة من العفو وإلزام المستفيدين للخضوع لبرامج تأهيل لضمان الدمج الاجتماعي وعدم العودة الى الجريمة.
عدم معالجة أسباب المشاكل والأزمات عبر الأطر الدستورية والقانونية يؤدي الى التمادي بالأخطاء وتعاظمها واستغلال السياسيين لها عبر عقد الصفقات بما يتناسب مع مصالحم، فتحول قانون العفو العام ومعه لبنان الى سجن عام تحكمه المصالح الطائفية والسياسية.