"صوت الفرح" وغادة دايخ... حكاية صوتٍ لا ينطفئ
لم تقتصر الاستهدافات الإسرائيلية خلال الحرب على المواقع العسكرية أو البنى التحتية، بل طالت أيضاً مؤسسات إعلامية وصحافيين، في محاولة لإسكات الأصوات الناقلة للوقائع الميدانية.
وكان لمدينة صور، في جنوب لبنان، نصيب كبير من هذا الدمار، إذ تعرّضت أحياؤها ومؤسساتها لسلسلة من الغارات التي ألحقت أضراراً جسيمة بمرافق حيوية وثقافية وإعلامية. وبين الأبنية التي سقطت تحت القصف، برز مبنى إذاعة "صوت الفرح" الذي دُمّر بالكامل.

منذ تأسيسها عام 1989، شكّلت "صوت الفرح" أكثر من مجرد محطة إذاعية، إذ تحوّلت إلى منبر لأبناء الجنوب ونافذة تنقل قضاياهم وهمومهم اليومية. وعلى مدى أكثر من ثلاثة عقود، رافقت المستمعين بصوتها وبرامجها، وحجزت مكانة خاصة في الذاكرة المحلية.
وبعد تدمير مبنى الإذاعة، فقد الوسط الإعلامي بعد نحو شهر أيضاً الإعلامية غادة دايخ التي ارتبط اسمها بـ"صوت الفرح" لعقود طويلة. وعُرفت الراحلة ببرامجها السياسية والحوارية وبحضورها المهني المميز، لتبقى واحدة من أبرز الأصوات الإذاعية التي طبعت المشهد الإعلامي في جنوب لبنان.
.embed-kwikmotion-YHcyhQDQ2qbnlGjb65Q2PA { position: relative; padding-bottom: 56.25%; height: 0; overflow: hidden; max-width: 100%; } .embed-kwikmotion-YHcyhQDQ2qbnlGjb65Q2PA iframe, .embed-kwikmotion-YHcyhQDQ2qbnlGjb65Q2PA object, .embed-kwikmotion-YHcyhQDQ2qbnlGjb65Q2PA embed { position: absolute; top: 0; left: 0; width: 100%; height: 100%; }
37 عاماً من الحكاية
لم تكن إذاعة "صوت الفرح" مجرد وسيلة إعلامية محلية في جنوب لبنان، بل شكّلت على مدى عقود جزءاً من ذاكرة المنطقة وسكانها. ففي حديثٍ مع "النهار"، استعاد المدير العام لإذاعة وموقع "صوت الفرح"، علوان شرف الدين، بدايات الإذاعة التي أُسّست عام 1989، في مرحلة كان الجنوب يفتقر فيها إلى المؤسسات الإذاعية، لتكون أول إذاعة تنطلق من المنطقة.
وجاء اختيار اسم "صوت الفرح" في ظل الظروف الصعبة التي عاشها الجنوبيون آنذاك، من احتلال واعتداءات إسرائيلية متواصلة، إذ أراد القائمون عليها أن يحمل الاسم رسالة أمل وفرح في مواجهة الحزن والمعاناة. كذلك، أدّت الإذاعة دوراً محورياً في ربط الأهالي داخل الشريط المحتل وخارجه، لتتحول مع مرور السنوات إلى محطة حاضرة في الحياة اليومية لسكان الجنوب ومدينة صور تحديداً، وفق ما يقول شرف الدين.
وعلى امتداد 37 عاماً، واكبت الإذاعة مختلف شرائح المجتمع من خلال برامج اجتماعية وثقافية ورياضية وصحية وترفيهية، ما جعلها جزءاً من ذاكرة أجيال كاملة نشأت على صوتها ومضمونها.
ويشير شرف الدين إلى أن استهداف الإذاعة لم يقتصر على تدمير المبنى، بل أدى أيضاً إلى خسارة أرشيف واسع تراكم على مدى سنوات طويلة. فقد ضاع عدد كبير من التسجيلات والبرامج والمقابلات المحفوظة على أشرطة قديمة، بينها مواد توثق أشخاصاً وروايات لم يعد بالإمكان استعادتها، ما شكّل خسارة لذاكرة إعلامية وتاريخية يصعب تعويضها.

صوت في الذاكرة
لم يكن تدمير إذاعة "صوت الفرح" في الثاني من آذار الضربة الأقسى بالنسبة إلى العاملين فيها، بحسب شرف الدين، بل جاء استشهاد الإعلامية غادة دايخ بعد نحو شهر ليترك الأثر الأعمق والحزن الأكبر.
يروي شرف الدين أن غادة كانت جزءاً أساسياً من الإذاعة منذ سنوات طويلة، حتى بات صوتها مرادفاً لـ"صوت الفرح" لدى المستمعين، حيث كانت من ضمن فريق العمل منذ انطلاقة الإذاعة. فبمجرد أن يسمع الناس صوتها، كانوا يدركون أنهم يستمعون إلى الإذاعة التي رافقتهم على مدى عقود، ما جعلها حاضرة في ذاكرة أجيال من أبناء الجنوب.
لم يقتصر دور غادة على العمل الإذاعي، إذ ارتبط اسمها بالبرامج الترفيهية والأنشطة الاجتماعية والإنسانية التي استهدفت مختلف الفئات العمرية، من الأطفال إلى كبار السن. ويؤكد شرف الدين أن حضورها وشغفها بالإذاعة جعلاها من أكثر الأشخاص حرصاً عليها، حتى بدت للكثيرين كأنها صاحبة المؤسسة نفسها.
ويلفت إلى أن خسارة غادة، إلى جانب تدمير الإذاعة، لم تكن مجرد فقدان لمبنى أو مؤسسة إعلامية، بل خسارة لصوتٍ ارتبط بوجدان الناس وذاكرتهم، حتى بدا لكثيرين أن "صوت الفرح" قد انطفأ برحيلها.

صوت لا ينطفئ
رغم تدمير إذاعة "صوت الفرح"، لم يتوقف حضور المؤسسة الإعلامية، إذ يوضح شرف الدين أن الموقع الإلكتروني الذي أُطلق عام 2010، إلى جانب البث المباشر عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي التابعة للإذاعة، واصل نشاطه الإخباري، ولا سيما خلال فترة الحرب من خلال متابعة التطورات في الجنوب ومدينة صور.
ويشير إلى أن العمل الإعلامي استمر عبر الموقع والصفحات الرقمية على مختلف المنصات، ما سمح بالحفاظ على حضور "صوت الفرح" رغم غياب البث الإذاعي التقليدي.
أما المرحلة المقبلة، فتتمثل بالسعي إلى إعادة إطلاق الإذاعة بعد انتهاء الحرب، بالإمكانات المتاحة، وفق شرف الدين الذي أكد أن الهدف يتجاوز الاعتبارات المادية، وينطلق من الرغبة في الحفاظ على إرث الإذاعة وذاكرتها، وتكريماً لكل من ساهم في مسيرتها، وفي مقدمهم الإعلامية الراحلة غادة دايخ.
يختم بالتأكيد أن القائمين على "صوت الفرح" مصممون على إعادة هذا الصوت إلى الناس من جديد، وفاءً لتاريخ امتدّ لعقود وللمستمعين الذين رافقوا الإذاعة عبر الأجيال.


