صلالة... رئة الخليج (صور)
صلالة – غانم السليماني
لا توازي حركة السياحة النشطة في مدينة صلالة العُمانية إلا حركة رافعات المرفأ التي لا تتوقف ليلاً ونهاراً، لتفريغ البضائع من السفن التي تقف على مسافة آمنة من مضيق هرمز. مشهد الحركة الدائمة في المرفأ يعكس جانباً من الحيوية الاقتصادية التي ترافق النهضة السياحية التي تشهدها المدينة، حيث تتجاور حركة التجارة مع جمال الطبيعة وتنوع المقومات التي تجعل صلالة وجهة مختلفة في منطقة الخليج.

في الطرق الجبلية المؤدية إلى المدينة الساحلية، يحتاج الزائر إلى وقت قصير حتى يصل إلى القمم الخضراء والباردة، حيث الطبيعة الساحرة التي تميز محافظة ظفار، وذلك بفضل البنية التحتية الحديثة والطرق المعبدة والمضيئة التي سهّلت الوصول إلى هذه المناطق. أما في المدينة المحاطة بالحصون التراثية وأبراج المراقبة الطينية التي تعود إلى مئات السنين، فتشكّل المولات الحديثة ملاذاً مفضلاً للشباب العُماني، الذين يجلسون في المقاهي والمطاعم مرتدين الزي العُماني التقليدي، في مشهد يجمع بين الحداثة والهوية المحلية.
صلالة، التي قال عنها الشاعر نزار قباني:"من لا يزورها يقرأ نصف القصيدة، ويرى نصف القمر"، هي مدينة تأسر الزائر بجمال جبالها وسواحلها ومزارعها، وبضباب خريفها وأمطارها المتواصلة التي تمنحها خصوصيتها بين مدن الخليج. كما يضيف كرم أهلها وثراء موروثها الثقافي بعداً آخر إلى التجربة السياحية، فيما عززت المشاريع التنموية الحديثة مكانتها كواحدة من أبرز الوجهات السياحية في المنطقة.

وتشتهر المدينة القديمة بزراعة اللبان وجوز الهند والموز، وهي محاصيل ارتبطت بتاريخ المنطقة وحياة سكانها. ويلاحظ السائح تفاصيل الحياة اليومية لأهل البادية من خلال الخيمة التقليدية التي كانوا يعيشون فيها، والمطبخ المبني بالحجارة، والملابس البدوية التقليدية مثل الخنجر والخيزام، في تجربة تعيد رسم ملامح الحياة القديمة أمام الزوار.
وتزخر البيئة الظفارية بالفنون الشعبية التي تشكل جزءاً أساسياً من الذاكرة المحلية، ومنها "التغرود" الذي كان يردد أثناء رحلات قوافل اللبان للتخفيف من مشقة السفر، و"ميراد الإبل" و"شداد الإبل" بوصفهما من الفنون الحماسية، إضافة إلى فن "الهبوت" الذي يؤدى في المناسبات الاجتماعية. كما يجري تجسيد مراسم الزواج القديمة، ومنها عادة "المغبور" التي تتمثل في تقديم الإبل والأغنام هدية للعريس، في صورة تعكس قيم التكافل والعادات الاجتماعية المتوارثة.
الدكاكين القديمة... تفاصيل الحياة اليومية
لم تغب الدكاكين القديمة عن صلالة، بما تحمله من تفاصيل الحياة اليومية التي عاشها السكان في الماضي. ففي محل الخياط، يعرض الزائر ماكينة خياطة قديمة وأقمشة تراثية وملابس تعود إلى سبعينيات القرن الماضي، كما يتعرف إلى طريقة تفصيل الملابس النسائية كما كانت قديماً، وإلى مسميات الأقمشة الشعبية مثل "أبو تفاحتين".
وتضم الدكاكين أيضاً البقالة القديمة بما تحتويه من منتجات كانت تباع في ذلك الزمن، مثل زجاجات المشروبات الغازية القديمة، فيما يعرض الاستوديو القديم أدوات التصوير التقليدية ومراحل طبع الصور التي وثقت ملامح الحياة الاجتماعية في تلك الفترة.

وفي مشهد يعكس الوعي الشعبي بالحفاظ على الموروث، تحضر عيادة طبية تسمى "الدختر" أو الطبيب الشعبي، حيث تعرض طرق العلاج بالطب الشعبي والأدوات والأعشاب والزيوت الطبيعية التي كانت تستخدم قديماً. كما يبرز مكتب البريد القديم رحلة توصيل الرسائل والطوابع القديمة، فيما يعرض "الكتّاب" أو المدرسة القديمة بدايات التعليم وتحفيظ القرآن الكريم للأطفال.
تعيد تفاصيل الحياة الظفارية القديمة الأذهان إلى العصور الماضية، من خلال تجسيد البيئات البحرية والحضرية والزراعية والريفية والبدوية، إلى جانب الأسواق التقليدية والحرف اليدوية والفنون الشعبية والأهازيج التي تعكس أصالة المجتمع العُماني وتراثه العريق.

كما يضم الموقع سوق "الفرضة" الذي يعرض منتجات الأسر المنتجة والصناعات التقليدية والعطور والبخور واللبان والأزياء التراثية، إضافة إلى ركن جمعيات المرأة العُمانية التي تسهم في الحفاظ على الحرف والموروث الشعبي وتعريف الزوار به.
وشملت الجولة زيارة مشروع "الغارف"، أحد أحدث المشاريع السياحية البيئية في ظفار، والذي يجمع بين الطبيعة الزراعية العُمانية والمرافق العصرية، ويضم مطاعم ومقاهي ومناطق للفعاليات والفاكهة الاستوائية، في تجربة تعكس هوية المحافظة الزراعية وتدعم رواد الأعمال والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
وفي متحف أرض اللبان، تعرف الوفد إلى تاريخ تجارة اللبان وأنواعه الأربعة في ظفار، وأهميته الاقتصادية والحضارية، إضافة إلى تاريخ عُمان منذ العصور القديمة وحتى العصر الإسلامي.

وأكد مدير الترويج السياحي بمحافظة ظفار، مروان الغساني، حرص المديرية على تعريف الوفود الزائرة بأبرز المعالم السياحية والتراثية والمشروعات الحديثة، بما يعكس المقومات الطبيعية والثقافية التي تجعل ظفار وجهة متكاملة تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، خاصة خلال موسم الخريف.
وتبقى صلالة مدينة مختلفة في إيقاعها وتفاصيلها، فهي المكان الذي يلتقي فيه عبق اللبان ببرودة الضباب، وتجاور فيه الجبال الخضراء الأسواق القديمة والمشاريع الحديثة. وبين ذاكرة التراث وحيوية الحاضر، تواصل المدينة كتابة قصتها كإحدى الوجهات التي تمنح زائرها تجربة تتجاوز المشاهدة إلى اكتشاف روح المكان.
