شكسبير على الشاشة

أسئلة الانسان والمأساة بلغة سينمائية

كيف يستطيع كاتب رحل منذ أكثر من أربعة قرون أن يواصل كتابة حاضرنا من فوق شاشة السينما؟ وكيف أمكن لنصوص وُلدت على خشبة مسرح إنجليزي محدود أن تتحول إلى لغة كونية تتحدث بها الكاميرا في قارات مختلفة، وتعيد اكتشاف الإنسان كلما تبدلت الأزمنة والأمكنة؟ وما السر الذي جعل ويليام شكسبير يتجاوز حدود الأدب ليصبح أحد أعظم المؤلفين الذين لم يتوقفوا عن إلهام السينما العالمية؟ وهل كانت السينما تقتبس شكسبير لأنها مدينة لعبقريته، أم لأنها وجدت في نصوصه مرآة تكشف ما تعجز الصورة وحدها عن الإفصاح عنه؟ تلك أسئلة لا تضعنا أمام تاريخ الاقتباس السينمائي فحسب، وإنما تقودنا إلى قلب العلاقة المعقدة بين الكلمة والصورة، بين المسرح والسينما، وبين الأدب الذي يكتب المصير والعدسة التي تمنحه جسدًا جديدًا وروحًا أخرى.

ولم يكن شكسبير بالنسبة إلى السينمائيين مؤلفًا كلاسيكيًا ينبغي الحفاظ على نصوصه داخل متحف الثقافة، وإنما كان مادة حية لا تكف عن التحول ومختبرًا إنسانيًا مفتوحًا لا ينضب بالأسئلة. ففي عالمه لا يوجد أبطال كاملون ولا أشرار مطلقون، وإنما بشر يحملون تناقضاتهم كما يحملون أحلامهم ويقودهم الطموح إلى الهاوية ويقودهم الحب إلى الفقدان، وتقودهم السلطة إلى العزلة ويقودهم البحث عن العدالة إلى اكتشاف هشاشتهم. ومن هنا لم تجد السينما نفسها أمام نصوص تحتاج إلى النقل، وإنما أمام عوالم تحتاج إلى إعادة خلق، لأن الصورة لا تكرر الأدب وإنما تحاوره وتعارضه أحيانًا وتكشف في صمته ما لم تقله الكلمات.

ولعل أعظم ما أنجزته السينما مع شكسبير أنها حررت المأساة من حدود الخشبة، وجعلت الضوء يؤدي وظيفة الشعر والصمت يقوم مقام المونولوغ والظل يترجم اضطراب النفس واللون يكشف انهيار السلطة وحركة الكاميرا تعبر عن ارتباك الضمير. وهكذا لم تعد القلاع مجرد أماكن ولا العروش مجرد رموز للحكم ولا الخناجر أدوات للجريمة وإنما تحولت جميعها إلى علامات بصرية تختزل التاريخ الإنساني في لحظة واحدة، وتجعل المشاهد يرى المأساة قبل أن يسمعها ويحس بثقل القدر قبل أن تنطق به الشخصيات.

ولا يتوقف هذا المقال عند حدود الأفلام التي اقتبست أعمال شكسبير، بقدرما يسعى إلى مساءلة الكيفية التي أعادت بها السينما اختراع عالمه وإلى تتبع تحولات البطل الشكسبيري وهو يعبر من اللغة إلى الصورة ومن المسرح إلى الشاشة ومن النص إلى الذاكرة البصرية. كما تحاول الكشف عن السر الذي جعل هاملت وماكبث وعطيل والملك لير وريتشارد الثالث يواصلون العيش في وجدان الإنسانية، لا بوصفهم شخصيات تنتمي إلى الماضي، وإنما بوصفهم وجوهًا متجددة للإنسان المعاصر، وهو يصارع السلطة ويخاف الخيانة ويطارد الحقيقة ويواجه قدره. فحين يلتقي شكسبير بالسينما، لا يولد اقتباس جديد فحسب، وإنما تولد لغة فنية تجعل الصورة تفكر وتجعل المأساة ترى وتجعل الإنسان يكتشف، في كل مشاهدة، أن أكثر ما كتبه شكسبير عمقًا لم يكن عن ملوك الأمس، وإنما عن الإنسان في كل زمان.

شكسبير على الشاشة: تحول المأساة إلى لغة سينمائية

لم تكن العلاقة بين السينما وويليام شكسبير علاقة اقتباس أدبي فحسب، وإنما كانت حواراً جمالياً وفلسفياً امتد لأكثر من قرن، استطاعت خلاله الشاشة الكبيرة أن تمنح النصوص الشكسبيرية حياة جديدة تتجاوز حدود المسرح إلى فضاءات الصورة والإيقاع والمونتاج واللون والضوء. ومنذ البدايات الأولى للفن السابع، أدرك المخرجون أن أعمال شكسبير لا تنتمي إلى زمن إليزابيث وحده، وإنما تمتلك بنية درامية قادرة على العبور بين الثقافات والأزمنة، لأن موضوعاتها الكبرى، مثل السلطة والخيانة والطموح والحب، والانتقام والغيرة والموت، لا تتقادم. ولذلك لم يكن غريباً أن تصبح نصوصه من أكثر الأعمال الأدبية اقتباساً في تاريخ السينما، وأن تتحول شخصياته إلى رموز بصرية تعيش في ذاكرة المشاهد بقدر ما تعيش في ذاكرة القارئ.

وقدّم المخرج البريطاني لورنس أوليفييه أحد أهم الاقتباسات السينمائية عبر فيلم Henry V «هنري الخامس» (1944)، حيث تعامل مع المسرحية بوصفها ملحمة وطنية تجمع بين الشعر والبطولة والسياسة. ولم يكن الفيلم مجرد نقل للنص، ولكنه إعادة صياغة للفضاء المسرحي بلغة سينمائية اعتمدت حركة الكاميرا والديكور الضخم والإيقاع الملحمي، لتتحول الحرب إلى سؤال أخلاقي حول القيادة والشرعية.

ثم عاد أوليفييه ليقدم فيلم Hamlet / ” هاملت ” (1948)، وهو من أهم الأفلام في تاريخ الاقتباس الشكسبيري. وجعل الفيلم من القلعة فضاءً نفسياً مغلقاً ومن الظلال والضباب والفراغات المعمارية انعكاساً لاضطراب البطل الداخلي. ولم يعد هاملت أميراً دانماركياً فقط، بقدرما أصبح الإنسان الذي يعيش صراعاً بين الفكر والفعل وبين الرغبة في الانتقام والخوف من نتائجه. ونجح أوليفييه في تحويل المونولوغات الشهيرة إلى صور سينمائية تنطق بالصمت أكثر مما تنطق بالكلمات.

وفي العام نفسه قدم أورسون ويلز فيلم Macbeth ” ماكبث ” (1948)، متبنياً رؤية أكثر قتامة، حيث تحولت القلاع والضباب والليل إلى شخصيات قائمة بذاتها. ولم يكن اهتمام المخرج ويلز بالسرد التقليدي، ولكن بخلق عالم بصري يختلط فيه الواقع بالكوابيس، لتصبح السلطة لعنة تلتهم صاحبها قبل خصومه. واستخدم زوايا تصوير حادة وإضاءة تعبيرية جعلت الفيلم أقرب إلى السينما التعبيرية الألمانية منه إلى المسرح الإنجليزي.

وتكشف هذه الأعمال أن السينما لم تتعامل مع شكسبير باعتباره كاتباً كلاسيكياً يجب احترام نصوصه حرفياً، وإنما بوصفه منجماً لا ينضب للأسئلة الإنسانية. فقد تحولت المسرحية إلى فيلم وتحولت الكلمة إلى صورة وتحول الحوار إلى حركة كاميرا وأصبحت المأساة الشكسبيرية تجربة بصرية كاملة. ومن هنا بدأت ولادة ما يمكن تسميته بـ”سينما شكسبير”، وهي سينما لا تقوم على إعادة إنتاج النصوص، وإنما على إعادة اكتشافها، لتؤكد أن البطل الشكسبيري لا يعيش في الماضي، وإنما يواصل حضوره في كل عصر يبحث فيه الإنسان عن معنى السلطة والحب والعدالة والمصير.

البطل الذي يهزمه قدره

يشكل البطل الشكسبيري أحد أكثر النماذج تعقيداً في تاريخ السينما العالمية، لأن جوهره لا يقوم على البطولة التقليدية التي تنتصر في نهاية الرحلة، وإنما على التناقض الداخلي الذي يجعل الشخصية تحمل بذور سقوطها منذ اللحظة الأولى. ولذلك وجد المخرجون في شخصيات شكسبير مادة سينمائية استثنائية، لأنها تتحرك داخل منطقة رمادية تتشابك فيها الرغبة مع الخوف والحكمة مع الجنون والشجاعة مع الضعف والطموح مع الهلاك. ولم يعد البطل هنا فارساً يواجه العالم، وإنما إنساناً يخوض معركته الكبرى ضد ذاته، وهو ما منح الاقتباسات السينمائية عمقاً نفسياً نادراً.

ويتجلى هذا البعد بوضوح في فيلم Othello / ” عطيل” (1952) من إخراج وبطولة أورسون ويلز، حيث تتحول الغيرة إلى قوة تدميرية تبتلع العقل والحب معاً. ولا يسقط عطيل بسبب ضعف جسدي أو هزيمة عسكرية، وإنما بسبب انهيار ثقته في الحقيقة. ويصبح البطل ضحية لقدر صنعه بنفسه، حين سمح للشك بأن يتحول إلى يقين. واعتمد المخرج ويلز على اللقطات الحادة والظلال الكثيفة والفضاءات الحجرية ليمنح الشخصية إحساساً دائماً بالاختناق، وكأن العالم كله يتآمر على عقل البطل قبل أن يتآمر على جسده.

ويبلغ هذا التعقيد ذروته في فيلم King Lear / ” الملك لير ” (1971) للمخرج بيتر بروك، حيث يصبح الملك العجوز تجسيداً لمأساة السلطة حين تفقد قدرتها على التمييز بين الحب الحقيقي والتملق. ولا يقدم الفيلم ملكاً مهزوماً أمام خصومه، وإنما أباً يهدم مملكته بقراراته الخاطئة. وتتجرد الصورة من الزخرفة وتغلب عليها البرودة والفراغ، ليبدو العالم وكأنه ينهار مع انهيار وعي الشخصية الرئيسية. وهنا يتحول الجنون إلى وسيلة لمعرفة الحقيقة، وتصبح الهزيمة شكلاً من أشكال الاكتشاف.

أما فيلم Richard III / ” ريتشارد الثالث ” (1995) من إخراج وبطولة إيان ماكيلين، فقد قدم قراءة معاصرة للنص عبر إسقاطه على أجواء سياسية تستلهم أوروبا الفاشية في ثلاثينيات القرن العشرين. ويظهر ريتشارد بوصفه بطلاً مضاداً يمتلك ذكاءً استثنائياً وكاريزما طاغية، لكنه يسخر قدراته لتدمير الجميع، بمن فيهم نفسه. ولا يخفي الفيلم شر الشخصية، وإنما يجعله موضوعاً للتأمل، إذ يتحول الطموح السياسي إلى مرض وجودي يلتهم الإنسان من الداخل.

وتؤكد هذه النماذج أن البطل الشكسبيري في السينما ليس نموذجاً أخلاقياً جاهزاً، ولكنه كائن مأزوم يعيش داخل شبكة معقدة من الرغبات والسلطة والقدر. ولهذا السبب ظل قريباً من الإنسان المعاصر، لأن أزمته لم تعد مرتبطة بعصر الملوك والنبلاء، وإنما أصبحت تعكس أزمة الفرد في مواجهة السلطة والهوية والخوف والرغبة في السيطرة. ومن هنا اكتسبت سينما شكسبير طابعها الكوني، حيث لا يخرج المشاهد متعاطفاً مع البطل فحسب، وإنما يشعر بأنه رأى جزءاً من هشاشته الإنسانية منعكساً على الشاشة، وهو ما يفسر استمرار هذه الشخصيات في إلهام السينما العالمية جيلاً بعد جيل.

سينما شكسبير: تحول الصورة إلى ذاكرة إنسانية

تحتفظ السينما المقتبسة من أعمال شكسبير بمجموعة من المشاهد التي تجاوزت حدود الفيلم لتصبح جزءاً من الذاكرة البصرية العالمية. ولا تكمن قوة هذه المشاهد في جمالها التشكيلي وحده، وإنما في قدرتها على تكثيف المأساة الإنسانية داخل صورة واحدة تختصر الصراع بين السلطة والضمير وبين الحب والكراهية وبين الحياة والموت. ولقد استطاع كبار المخرجين أن يحرروا النص الشكسبيري من أسر المسرح، وأن يمنحوه لغة بصرية تجعل الكاميرا شريكاً في إنتاج المعنى، لا مجرد وسيط لنقل الحوار.

ومن أكثر هذه المشاهد رسوخاً ذلك المشهد في “هاملت” (1996) من إخراج وبطولة كينيث براناه، حيث يلقي هاملت مونولوغه الشهير «أن تكون أو لا تكون» أمام قاعة واسعة تعكسها المرايا. ولم يعد السؤال الفلسفي مجرد خطاب مسرحي، ولكنه تحول إلى مواجهة بصرية بين الإنسان وصورته وبين الحقيقة وانعكاسها. واستخدم المخرج براناه المرايا والزوايا العميقة ليجعل المتفرج يشعر بأن البطل محاصر بنسخ متعددة من ذاته، وأن الصراع الحقيقي يدور داخل النفس قبل أن ينتقل إلى العالم الخارجي.

وفي اليابان، قدّم المخرج الكبير أكيرا كوروساوا واحدة من أعظم إعادة قراءة لشكسبير عبر فيلم Throne of Blood / ” عرش الدم ” (1957)، المستلهم من مسرحية «ماكبث». ويتحول المشهد الختامي، حيث يُمطر البطل بوابل من السهام، إلى واحدة من أكثر الصور جمالية في تاريخ السينما. ولا يظهر الموت هنا بوصفه نهاية لشخصية، وإنما بوصفه عقاباً للطموح الذي تجاوز حدوده الأخلاقية. وتبدو السهام وكأنها قضاء محتوم يهبط من السماء، فيما تتحول القلعة إلى فضاء مغلق يبتلع صاحبه.

ثم عاد كوروساوا إلى شكسبير مرة أخرى من خلال فيلم Ran / ” ران ” (1985)، وهو إعادة تأويل سينمائية لمسرحية «الملك لير». ويقدم الفيلم سلسلة من المشاهد التي أصبحت علامات في تاريخ الصورة السينمائية، ولا سيما مشهد سقوط القلعة وسط ألسنة اللهب، حيث يتقدم الملك العجوز بين الدمار في صمت يكاد يكون أكثر بلاغة من أي حوار. ويعتمد كوروساوا على اللون الأحمر والدخان وحركة الجيوش والإيقاع البطيء، ليحول الحرب إلى لوحة تشكيلية تكشف انهيار الإنسان قبل انهيار المملكة.

ويبرز أيضاً فيلم Romeo + Juliet ” / “روميو وجوليت ” (1996)، للمخرج باز لورمان، الذي نقل المسرحية إلى مدينة حديثة تعج بالعنف والأسلحة والسيارات، مع احتفاظه بالنص الشكسبيري الأصلي. وأصبح مشهد اللقاء الأول بين روميو وجولييت عبر حوض الأسماك من أشهر المشاهد الرومانسية في السينما، إذ استخدم الماء والزجاج والانعكاسات ليجسد الحاجز بين العاشقين، وكأن الحب يولد منذ اللحظة الأولى محكوماً بالفقدان.

وتكشف هذه المشاهد أن سينما شكسبير لا تخلّد النصوص بالكلمات وحدها، وإنما تصنع أيقوناتها من الضوء والظل ومن اللون والحركة، ومن الصمت بقدر ما تصنعها من الحوار. إنها صور تستمر في الحياة داخل ذاكرة المشاهد لأنها تمس أسئلة الإنسان الكبرى، وتجعل المأساة حدثاً بصرياً يتجاوز حدود اللغة، ويؤكد أن شكسبير لم يعد مجرد كاتب مسرحي، بقدرما أصبح أحد أعظم صناع الخيال السينمائي في التاريخ.

خلود النص وولادة البطل الإنساني من جديد

يبدو من الصعب الحديث عن تاريخ السينما العالمية من دون التوقف عند الأثر العميق الذي تركه ويليام شكسبير في تشكيل المخيلة البصرية لكبار المخرجين. فالقضية لم تعد مرتبطة باقتباس مسرحياته، ولكن بتحول رؤيته للإنسان إلى بنية درامية تتكرر في مئات الأفلام، حتى تلك التي لا تحمل اسمه. ولقد أصبحت السينما الشكسبيرية جنساً فنياً قائماً بذاته، لأنها نجحت في تحرير النص من قدسيته الأدبية وأعادت إنتاجه داخل سياقات ثقافية وسياسية مختلفة، من بريطانيا إلى اليابان، ومن الولايات المتحدة إلى روسيا والهند، لتؤكد أن الأسئلة التي طرحها شكسبير حول السلطة والعدالة والخيانة والحب والموت لا تنتمي إلى عصر واحد، وإنما إلى التاريخ الإنساني كله.

وتكشف الاقتباسات السينمائية المتعددة أن البطل الشكسبيري لم يعد أميراً أو ملكاً أو قائداً عسكرياً فحسب، وإنما تحول إلى نموذج إنساني يتكرر في صور لا حصر لها. ويمكن العثور على هاملت في شخصية الصحافي الذي يبحث عن الحقيقة رغم إدراكه لخطورة المعرفة، ويمكن رؤية ماكبث في السياسي الذي يبيع ضميره من أجل السلطة، كما يمكن اكتشاف الملك لير في كل أب يكتشف متأخراً أن السلطة لا تستطيع شراء الحب، وأن القوة لا تمنح صاحبها الحكمة. وهكذا لم تعد الشخصيات أسماء تاريخية، ولكنها استعارات كبرى للإنسان المعاصر.

ويعد فيلم Chimes at Midnight / ” أجراس منتصف الليل” (1965) للمخرج أورسون ويلز من أهم التجارب التي أعادت قراءة عالم شكسبير من زاوية جديدة، إذ جمع شخصيات من عدة مسرحيات في عمل واحد، مركزاً على شخصية فالستاف بوصفها رمزاً للإنسان الذي يواجه نهاية عالمه القديم. ومنح ويلز الشخصية بعداً إنسانياً مؤلماً، وحول لحظات الصداقة والخيانة إلى تأملات في الزمن والشيخوخة وفقدان السلطة، مؤكداً أن السينما قادرة على إعادة كتابة شكسبير دون أن تفقد روحه.

وفي المقابل، قدم كينيث براناه فيلم Much Ado About Nothing / ” جعجعة بلا طحن” (1993)، وفيلم Hamlet / ” هاملت ” (1996)، ليبرهن أن أعمال شكسبير لا تقتصر على المأساة، وإنما تمتلك أيضاً قدرة استثنائية على الاحتفاء بالحياة والحب والسخرية والذكاء. فقد جمع المخرج براناه بين الوفاء للنص الأصلي والانفتاح على اللغة السينمائية الحديثة، فبدت أفلامه جسراً يصل المسرح الكلاسيكي بالمتفرج المعاصر.

وتؤكد المشاهد الجمالية التي صنعتها هذه الأفلام أن الصورة السينمائية استطاعت أن تمنح نصوص شكسبير عمراً جديداً. فالتيجان والخناجر والعروش والضباب والدم والقلعة والساحات، لم تعد مجرد عناصر ديكور، وإنما علامات بصرية تختزن معاني السلطة والقدر والخيانة والانهيار. وتحولت اللقطات القريبة إلى وسيلة لقراءة العواطف، بينما جعلت اللقطات الواسعة من المكان شريكاً في المأساة، حتى بدا العالم نفسه متورطاً في سقوط أبطاله.

ختاما

تكمن عظمة سينما شكسبير في أنها لا تقدم أجوبة جاهزة، ولكنها تدفع المشاهد إلى مساءلة نفسه. فكل بطل يحمل داخله بطلاً آخر ونقيضاً آخر وكل انتصار يخفي هزيمة وكل سلطة تحمل بذور فنائها. ولهذا بقي شكسبير حاضراً في السينما أكثر من أربعة قرون بعد رحيله، ليس لأنه كتب مسرحيات عظيمة فحسب، وإنما لأنه فهم الطبيعة البشرية بعمق جعلها صالحة لكل الأزمنة. ولقد أثبتت السينما أن شكسبير ليس ماضياً أدبياً، ولكنه حاضر بصري متجدد، وأن أبطاله سيواصلون العيش فوق الشاشة ما دام الإنسان يطارد السلطة، ويخاف الموت، ويبحث عن الحب، ويصارع قدره.

The post شكسبير على الشاشة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress