سعيد قبيسي يأخذ الأزياء الراقية في رحلة تحتفي بالتاريخ (صور وفيديو)
في مجموعة (Passage Privé)، حوّل المصمّم اللبناني العالمي سعيد قبيسي السفر عبر ممرّ خاص إلى لغة كوتور ترويها الأقمشة الفاخرة وحرفة التطريز اليدوي، مستحضراً أناقة مطلع القرن العشرين برؤية معاصرة لا تشبه إلا بصمته الخاصة.
إبداعات تحمل قصّة خاصة
وسط الزخم الذي شهده أسبوع باريس للخياطة الراقية الأسبوع الماضي، اختار سعيد قبيسي أن يبتعد عن الضجيج، وأن يروي قصّة من نوع آخر. ففي صالة العرض الخاصة به، لم تكن مجموعة (Passage Privé) مجرّد سلسلة من الفساتين الفاخرة تنتظر الاستكشاف، بل إبداعات يحمل كل واحد منها حكاية خاصة بها. كل خط مرسوم على القماش لم يأتِ صدفة، بل وُضع ليقود العين إلى فصل جديد عنوانه التحوّل، الهويّة، والأناقة التي لا ترتبط بزمن.

لم يقدّم قبيسي قراءة نوستالجية للماضي، بل أعاد تفسير إحدى أكثر الفترات ثراءً في تاريخ الموضة والفنون، ليؤكد أن الهوت كوتور الحقيقي لا يعيش في الذاكرة، بل يمكن إحياؤه بأسلوب معاصر.


عندما يتحوّل الممر الخاص إلى مصدر للإلهام
اختار سعيد قبيسي اسم (Passage Privé)، أو "الممر الخاص"، ليعكس الفكرة التي قامت عليها المجموعة؛ إذ ليست كل الرحلات تُقاس بعدد الكيلومترات، بل بما تتركه من أثر في الإنسان. من هنا، جاءت التصاميم وكأنها محطات متتالية في رحلة تتغيّر فيها الرؤية مع كل خطوة، وتكتسب الهوية أبعاداً جديدة مع كل عبور.


استلهم المصمّم المجموعة من أناقة مطلع القرن العشرين، وهي المرحلة التي ازدهرت فيها الحرف اليدوية، وبلغت فيها الخياطة الراقية مستويات استثنائية، بالتزامن مع انفتاح العالم على التبادل الثقافي والفني. هذه المرجعية التاريخية تحوّلت إلى نقطة انطلاق لرؤية حديثة تحافظ على روح تلك الحقبة من دون أن تقع في أسرها.
View this post on Instagram

لهذا شعرنا بأن كل إطلالة تستر خلفها عالماً بأكمله، وكل تصميم يكشف طبقة جديدة من القصة، بينما يبقى جزء من جمالها في التفاصيل التي لا تُقال، بل تُكتشف في لحظة تأمّل.

View this post on Instagram
بصمة سعيد قبيسي… هدوء يسبق الفخامة
ما يميّز أسلوب سعيد قبيسي عن غيره من مصمّمي الهوت كوتور هو قدرته على تصميم الأزياء الفاخرة دون مبالغة. فلا يعتمد على كثافة التطريز وحدها لإبهار العين، بل يبني كل قطعة وفق هندسة دقيقة تمنحها حضوراً راقياً حتى قبل أن تظهر الزخارف عليها.

في هذه المجموعة، حافظت القصّات على البناء المعماري الذي يميّز أعماله منذ سنوات. فالمعاطف الطويلة أعادت إلى الأذهان أناقة الخياطة الكلاسيكية، بينما جاءت الأكمام المستوحاة من الكيمونو لتمنح الحركة خفّة وانسياباً، في إشارة ذكيّة إلى فكرة السفر والتنقل بين الثقافات.
ومن يراقب تفاصيل التصاميم يلاحظ أن لكل تفصيل وظيفة، ولكل انحناءة سبباً يعزّز الفكرة الأساسيّة التي انبثقت منها المجموعة.



ترف الأقمشة… عندما يصبح القماش بطلاً للتصميم
إن كانت القصّات هي أساس المجموعة، فإن الأقمشة كانت جوهرها الحقيقي.
اعتمد سعيد قبيسي على تشكيلة من أفخم الخامات التي تعكس الرفاهية، فجاء المخمل ليمنح التصاميم ترفاً وأناقة كلاسيكية، إلى جانب الساتان المزدوج، الكريب، والكريب جورجيت، والدانتيل الفرنسي المعدني، إضافة إلى الفراء والريش، التي حضرت بوصفها عناصر تعزّز الحرفية وجماليّة كل قطعة.



أما لوحة الألوان فبدت متناغمة مع الفكرة العامة للمجموعة، وقد سيطرت عليها درجات العاجي، الأبيض الكريمي، الوردي الباهت، الأخضر الهادئ، البرونزي، والأزرق الناعم، وهي ألوان بدت كأنها مستخرجة من صور قديمة استعادت بريقها، لتمنح كل تصميم إحساساً بالرُقيّ الهادئ.
ولعل اللون العاجي كان الأكثر حضوراً، باعتباره خلفية نسجت عليها الحكايات، حتى بدا في بعض القطع وكأنه يحمل آثار الزمن مطرّزة فوق سطح القماش.




التطريز فن قائم بذاته
في الهوت كوتور، لا تُقاس قيمة القطعة بعدد الأحجار أو الخرز، بل بعدد الساعات التي يستغرقها تنفيذها، وهو ما برز بوضوح في مجموعة (Passage Privé).
فقد جاءت التطريزات اليدوية بتفاصيل دقيقة استلهمت الزخارف الهندسية لفن الآرت ديكو، إلى جانب نقوش مستوحاة من فن الزركشة، الذي اشتهر في الأزياء الأوروبية الفاخرة.


هذه التطريزات الزخرفية، أسهمت في إبراز خطوط التصميم ومنحته لمسة مميّزة. بعض القطع احتاجت إلى ساعات طويلة من العمل اليدوي المتواصل لإنجاز تفاصيلها الدقيقة، وهو ما يعكس مستوى الحرفية التي تحرص الدار على المحافظة عليها.
كذلك لفتت الأنظار تطريزاتٌ بدت كأنها شظايا من الذكريات، موزّعة على الأقمشة بطريقة فنيّة تجمع بين التراث والحداثة.



مجموعة تعكس مهارة الكوتور
من لحظة دخول صالة العرض في باريس، بدا واضحاً أن سعيد قبيسي أراد لكل تصميم أن يحمل أكثر من معنى، وأن تتحوّل كل إطلالة إلى محطة جديدة في رحلة لا تتوقف عند حدود الموضة، بل تمتدّ لتلامس الذاكرة، والهوية التي تميّز كل إنسان.

وهكذا أثبت المصمّم اللبناني أن الأزياء الراقية ليست مجرد تصاميم للمناسبات الكبرى، بل لغة قادرة على سرد الحكايات وإبراز المهارة الحرفيّة.

