"سرايا السلام" إلى الدولة... هل يبدأ الصدر إعادة رسم المشهد الشيعي في العراق؟
يشكّل قرار زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر فك ارتباط "سرايا السلام" بالتيار وإلحاق عناصرها بالمؤسسات الرسمية العراقية تحولاً لافتاً يتجاوز البعد التنظيمي الداخلي، ليطرح أسئلة أوسع حيال مستقبل العلاقة بين القوى الشيعية والسلاح والدولة في العراق. وفي لحظة تشهد صعود حكومة علي الزيدي ومحاولات لإعادة ترتيب التوازنات السياسية والأمنية، تبدو الخطوة كأنها بداية إعادة تموضع قد تعيد رسم المشهد الشيعي وتفرض معادلات جديدة على الفصائل المسلحة والقوى السياسية على حد سواء.
ماذا قرر الصدر؟
أعلن الصدر فك الارتباط التنظيمي بين "سرايا السلام" والتيار الصدري، مع إلحاق عناصرها بالمؤسسات الرسمية العراقية، في خطوة اكتسبت أهمية خاصة لأن "سرايا السلام" تعد واحدة من أكبر التشكيلات المسلحة المنضوية ضمن هيئة الحشد الشعبي، وتمتلك انتشاراً واسعاً في بغداد وعدد من المحافظات الجنوبية، فضلاً عن وجودها في سامراء ومحيطها تحت عنوان حماية المراقد الدينية.
وجاء القرار في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والديبلوماسية على بغداد لمعالجة ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة وإنهاء ظاهرة تعدد مراكز القوة المسلحة، خاصة بعد الهجمات بالطائرات المسيّرة التي انطلقت من الأراضي العراقية نحو دول الجوار، ما وضع العراق في قلب صراعات إقليمية متشابكة وأثار مخاوف من تحوله إلى ساحة لتصفية الحسابات بين قوى إقليمية ودولية.
ويرى مراقبون أن الخطوة تمثل محاولة لإعادة التموضع السياسي والاستراتيجي، عبر تقديم الصدر نفسه بوصفه أول زعيم شيعي يمتلك جناحاً مسلحاً يعلن بصورة مباشرة الانخراط في مشروع الدولة والتخلي عن صيغة "الفصيل المرتبط بالمرجعية السياسية". وقد تمنحه هذه الخطوة هامشاً أوسع للحركة داخلياً وخارجياً، كما تعزز صورته كزعيم قادر على قيادة مشروع "الدولة الوطنية" في مواجهة منطق الفصائل العابرة للمؤسسات.
هل تجد الفصائل نفسها أمام اختبار جديد؟
يعتقد محللون أن القرار يضع بقية الفصائل العراقية المسلحة أمام اختبار سياسي وشعبي معقد، إذ إن تخلي "سرايا السلام" عن ارتباطها التنظيمي بالتيار قد يزيد الضغوط على بقية القوى المسلحة، سواء المنضوية ضمن الحشد الشعبي أو خارجه، للسير باتجاه إعادة الهيكلة أو تسليم السلاح الثقيل والمتوسط للدولة، خاصة مع تصاعد الحديث الحكومي عن خطط لإعادة تنظيم الملف الأمني وإخضاع جميع التشكيلات لقيادة القائد العام للقوات المسلحة بصورة مباشرة.
وتبرز أهمية القرار أيضاً في كونه يصدر عن شخصية تمتلك ثقلاً جماهيرياً واسعاً داخل الشارع الشيعي العراقي، ما يمنحه تأثيراً يتجاوز الجانب الأمني إلى البعد الاجتماعي والسياسي، خصوصاً أن التيار الصدري لطالما قدم نفسه بوصفه تياراً شعبياً عابراً للطبقات، يمتلك قاعدة واسعة داخل المدن الفقيرة والأحياء الشعبية، إضافة إلى حضوره التاريخي في الاحتجاجات والحراك السياسي.
داخلياً، قد يساهم إعلان الصدر في تعزيز موقع حكومة الزيدي التي تواجه تحديات كبيرة في فرض سلطة الدولة وإنهاء ازدواجية القرار الأمني، إذ يمكن أن يشكل القرار غطاءً سياسياً قوياً لأي خطوات حكومية لاحقة تتعلق بإعادة تنظيم السلاح أو تقليص نفوذ الفصائل المسلحة، لا سيما أن الحكومات العراقية السابقة واجهت صعوبات كبيرة في الاقتراب من هذا الملف بسبب حساسيته وتعقيداته السياسية والعقائدية.
أما خارجياً، فإن الرسائل تبدو أكثر وضوحاً باتجاه العواصم العربية والغربية التي طالما طالبت بغداد بحصر السلاح بيد الدولة ومنع استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الأجنبية. كما أن الخطوة قد تُفسر على أنها محاولة لطمأنة البيئة الإقليمية بأن العراق يتجه تدريجياً نحو استعادة قراره الأمني والسيادي بعيداً عن نفوذ الجماعات المسلحة غير المنضبطة.

رسائل إلى الزيدي والبيت الشيعي
ويقول الناشط السياسي المقرب من التيار الصدري مجاشع التميمي لـ"النهار" إنه يقرأ موقف الصدر بشأن فك ارتباط "سرايا السلام" في هذا التوقيت باعتباره "خطوة سياسية وأمنية ذات أبعاد متعددة، تتجاوز البعد التنظيمي الداخلي إلى محاولة إعادة رسم معادلة العلاقة بين الدولة والسلاح في العراق"، مشيراً إلى أن القرار جاء في لحظة إقليمية حساسة تشهد تصاعد الضغوط الدولية على الفصائل المسلحة، إلى جانب حديث متزايد عن ضرورة تعزيز سلطة الدولة ومنع تعدد مراكز القوة.
ويضيف أن الهدف الأبرز من هذه الخطوة يرتبط بتقديم الصدر نفسه بوصفه "داعماً لمشروع الدولة، ومستعداً لاتخاذ قرارات صعبة تتعلق بالسلاح والتنظيمات المسلحة، خصوصاً مع بداية عمل حكومة الزيدي التي ستواجه اختباراً مبكراً في ملف الأمن وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية". كما يحمل القرار رسالة داخلية إلى القوى الشيعية والفصائل الأخرى مفادها أن "المرحلة المقبلة قد تتطلب مراجعات جدية في طبيعة العلاقة بين العمل السياسي والعمل المسلح".
ويتابع التميمي أن "القرار يبعث برسائل طمأنة إلى الأطراف الإقليمية والدولية بأن هناك قوى عراقية تدفع باتجاه الاستقرار وتقوية مؤسسات الدولة، ومن المحتمل أن يشكل موقف الصدر ضغطاً سياسياً وأخلاقياً على بعض الفصائل لاتخاذ خطوات مشابهة، أو على الأقل تخفيف الخطاب التصعيدي، خصوصاً إذا نجحت الحكومة في استثمار هذه الأجواء لبناء توافق وطني بشأن حصر السلاح وتعزيز هيبة الدولة".
من جهته، يقول الخبير في الشؤون الاستراتيجية علي ناصر لـ"النهار" إن قرار فك ارتباط "سرايا السلام" بالتيار الصدري "جاء نتيجة رؤية ودراسة استمرت أشهراً عدة، وسبقته إجراءات تنظيمية عدة، من بينها توجيه السرايا إلى تسليم جميع المركبات العسكرية"، مشيراً إلى أن "الظروف الحالية تختلف عن السنوات السابقة في ظل الاستقرار الأمني النسبي الذي يشهده العراق".
ويؤكد ناصر أن الهدف من القرار "يتمثل في دعم حكومة الزيدي وتوجيه رسالة إلى مختلف القوى السياسية والفصائل بضرورة الاندماج ضمن المؤسسات الرسمية، سواء عبر الوزارات الأمنية أو هيئة الحشد الشعبي". ويرى أن دعم الصدر للحكومة في هذا التوقيت "يكتسب أهمية خاصة في ظل التحديات الأمنية التي تشهدها المنطقة، كما يوفر بيئة أكثر استقراراً للاستثمارات الأجنبية والبعثات الديبلوماسية، ويعزز قدرات المؤسسات الأمنية في الحفاظ على الاستقرار والسيادة".
وفي بلد عانى لعقدين ظاهرة السلاح متعدد الولاءات، يبدو أن قرار الصدر فتح الباب أمام مرحلة سياسية وأمنية جديدة، عنوانها اختبار إمكانية الانتقال من "شرعية الفصائل" إلى "احتكار الدولة للقوة". وهو اختبار لا يتعلق بمستقبل التيار الصدري وحده، بل بمستقبل النظام السياسي العراقي بأكمله، وبمدى قدرة القوى الشيعية على التكيف مع مرحلة قد تعيد رسم توازناتها التقليدية وعلاقتها بالدولة ومؤسساتها.