بناء الدولة من مقاعد الدراسة: الجامعة اللبنانية نموذجاً
حيدر الأمين
في قلب الأزمة اللبنانية المستمرة، يبقى سؤال السيادة والاستقلال الوطني من أكثر الأسئلة إلحاحاً، فهو يلامس جوهر الدولة ومستقبلها. فالسيادة ليست مجرد حدود محروسة أو قوة قانونية، بل هي قبل كل شيء استقلالية العقل والقرار، ووعي المواطن بمصيره. ومن هنا ينبثق الدور الاستراتيجي للجامعة اللبنانية، المؤسسة الوطنية التي يمكن أن تتحول من رهينة المحاصصة والتجاذبات السياسية إلى مختبرٍ حقيقي لصناعة الإنسان المواطن والقائد الواعي، القادر على مواجهة تحديات العصر.
إن بناء الدولة يبدأ من التعليم، فالعقل هو أول أدوات السيادة. عندما تُسلب المؤسسات الأكاديمية استقلالها، يصبح مستقبل الدولة رهينةً للأهواء السياسية والأيديولوجية، وتُخنق قدرة الشباب على الابتكار والتفكير النقدي. لذلك، إصلاح الجامعة ليس رفاهية أكاديمية، بل معركة أساسية للحفاظ على الدولة وبنائها على أسس عقلية وموضوعية. استعادة استقلال الجامعة ورفع معيار الكفاءة فوق المحاصصة، لا يضمن تعليماً أفضل فحسب، بل يزرع في الأجيال المقبلة شعوراً بالمسؤولية الوطنية والانتماء الحقيقي.
ولا يقتصر الأمر على تطوير المناهج وحدها، بل يشمل بناء ثقافة وطنية جامعة، تُغذي الانتماء للدولة وتجمع اللبنانيين حول فكرة مشتركة بدل الانقسام الطائفي. فالجامعة، حين تصبح منطقة محايدة أكاديمياً، لا تخرج مجرد خريجين يحملون شهادات فحسب، بل صناع قيادات شابة، مثقفة وقادرة على التفكير النقدي، تؤمن بأن لبنان أولًا، وبأن خدمة الوطن مسؤولية تتطلب شجاعة ومعرفة. إنها تجربة ثقافية وعملية في آن واحد، تعيد الى العلم مكانته الحقيقية كأداة لتغيير الواقع، وليس مجرد أوراق وشهادات تُجمّل السيرة الذاتية.
تحقيق هذه الرؤية يتطلب ثورةً إدارية حقيقية: رفع اليد السياسية عن التعيينات، وضمان الكفاءة في كل مستوى إداري، وتأسيس نظامٍ شفاف للحوكمة الأكاديمية. فالدولة، لتبقى قائمة، تحتاج إلى عقلية تعتمد على الجدارة والاحترافية، لا الولاءات السياسية أو المحسوبيات الطائفية. وعبر بناء شراكات عربية وعالمية، يمكن الجامعة أن تعيد ربط لبنان بمحيطه الطبيعي، وأن تجعل التعليم والبحث أدوات فعالة لاستعادة حضور الدولة على الساحة الإقليمية والدولية، مع فتح أفق للتبادل المعرفي والثقافي الذي يثري المجتمع ويقوّي مؤسساته.
الرهان الأكبر يبقى على الشباب، الذين يحملون في أيديهم المستقبل، ويؤمنون بأن الكتاب أقوى من الرصاصة، وأن التغيير يبدأ من المختبرات وقاعات المحاضرات قبل أن يبدأ في دهاليز السياسة. إن استعادة السيادة مشروع ثقافي قبل أن يكون سياسياً؛ يبدأ من المدرسة، ويكبر في الجامعة، ويتجذر في وعي المواطن. فالجامعة اللبنانية، حين تتحرر وتستعيد هيبتها، تصبح معبرنا الأخير نحو دولةٍ مؤسساتية قوية، قادرة على مواجهة تحديات الواقع وابتكار مستقبل أفضل، مستقبل يكرّس العقل والسيادة والعدالة الاجتماعية. استعادة السيادة ليست مجرد قرار سياسي، بل ثقافة تنمو في العقول، وتترسخ في القيم، وتتجذر في أفعال الأجيال القادمة.