رفيقي يفكك آليات "تديين المشاعر" .. من بناء الهوية إلى صناعة العدو

انتقد محمد عبد الوهاب رفيقي، السلفي السابق والباحث في الفكر الديني، “خطاب الكراهية المقدَّس”، الذي “تغذيه البيئة الدينية، وتشحن به الأدمغة باستمرار، حتى يصل الإنسان معه إلى مرحلة يكره فيها عدداً من الناس دون أن يكون بينه وبينهم أيُّ خلاف”، معتبراً أن الإطار الديني الإسلامي “ألزمه بأن يكره عدداً من الناس لا يعرفهم أصلاً، فقط بناءً على تصنيفاتهم، أو انتماءاتهم، أو توجهاتهم”.

وذكر رفيقي، خلال مشاركته في الندوة الختامية لمهرجان “ثويزا” الثقافي بمدينة طنجة، مساء أمس الأحد، أن “المشكلة ليست أنه يكرههم فقط لكونه منتم إلى جماعة أو متعصب لها، بل لأنه مُلزَم (دينياً) بذلك”، مورداً أن بعض المواقف التي حدثت له سابقاً جعلته يتساءل: “كيف تتحول مشاعر البغض أو الكره أو الحب، وهي مشاعر إنسانية، إلى مشاعر دينية؟”.

وواصل مستشار وزير العدل عبد اللطيف وهبي تساؤلاته قائلاً: “كيف تُدَيَّن المشاعر؟ كيف تصبح مرتبطة بالدين، لا باعتبارها أحاسيس إنسانية طبيعية؟ وكيف يصبح الحب والكره عبادةً وقربةً يُتقرَّب بها إلى الله؟”، مستحضراً مجموعة من المراحل التي تقدم جواباً ممكناً، أولها بناء الهوية، وتابع: “الطفل الصغير لا يُقال له منذ البداية: يجب أن تكره فلاناً أو تبغضه، بل تبدأ العملية بالحب”.

وخلال الندوة التي تنهي فعاليات الدورة العشرين من المهرجان واهتمت بسؤال: “كيف نتصدى لخطابات الكراهية؟”، أفاد المتحدث بأنه في البيئة الإسلامية يُقال للطفل: “يجب أن تحب الله، والرسول، والمؤمنين”، ثم يُستشهد له بالقول القرآني: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، وبقول النبي: “لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، فيبدأ، وفقه، “أولاً ببناء مشاعر المحبة تجاه المؤمنين”.

ثم ينتقل المتلقي بعد ذلك، حسب الباحث في الفكر الديني، إلى “محطة موالية تتعلق برسم حدود هذه الهوية، التي صار داخلها، فيبدأ السؤال: من نحن؟ ومن ينتمي إلينا ومن هو خارج أفقنا؟”، وتابع: “هنا، وفي البيئات الدينية المتشددة، سواء داخل الجماعات والتنظيمات، أو حتى أحياناً خارجها، في المدرسة، أو لدى أستاذ التربية الإسلامية، أو في خطبة الجمعة، تتقوى تغذية هذا الشعور تجاه الآخر”.

وبين “المعتقل السلفي السابق” أن النصوص التي تتحدث عن الأخوة والمحبة بين المؤمنين وحدها تختفي مع الانتقال إلى متون ومفاهيم أخرى، مثل المفاصلة والولاء والبراء، مورداً أن الأطفال كانوا يجدون في المدرسة آيات من سورتي الحشر والممتحنة ضمن المناهج الدراسية، ثم تُنتزع بعض الآيات من سياقها، مثل: “لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ”، و”لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ”، و”لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ”، ومضى شارحاً: “يشعر التلميذ بأن لديه عدوا يتعينُ أن يبادله الشعور نفسه”، منبهاً إلى أنه “إذا فهم هذه النصوص بهذا الفهم المجتزأ عن سياقها فسيظن أن مجرد وجود المودة في قلبه تجاه من لا يؤمن بالله واليوم الآخر ينقص من إيمانه، أو ينافيه”، وزاد: “الآية نفسها تقول: ﴿وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾، فيُفهم منها، في هذا السياق، أنه لا يجوز أن يحمل مشاعر المودة حتى لأقرب الناس إليه إذا كانوا، في نظره، من أعداء الله ورسوله”.

إن هذا التشكيل النفسي، وفق رفيقي، “يجعل الشخص، عندما يعمل مثلاً مع يهودي أو مسيحي، ويجد فيه إنساناً طيباً، حسن الخلق، ودوداً، يعيش حالةً من الارتباك؛ فكيف يُؤمر بعداوته بينما يجد فيه التعامل الحسن؟”، مبرزا أنه “إذا نشأ داخل تلك البيئة فإن الواجب الديني، كما يفهمه، يغلب في النهاية على مشاعره الإنسانية، وهو ما يتجسد في تديين المشاعر؛ أي تحويلها من إحساس إنساني طبيعي إلى جزء من الإيمان، وإلى عبادة”.

وواصل المتحدث نفسه: “يتحول الأمر إلى أن يسبَّ الإنسان شخصاً، أو يشتمه، أو يحرض عليه، لا لأنه أساء إليه شخصياً، بل لأنه يعتقد أن ذلك يقربه إلى الله”، مبرزاً أنه “قد تجد شخصاً يسب آخر وهو لا يعرفه أصلاً، ولم يقع بينهما أي خلاف، ولم يظلمه، ولم يعتدِ عليه، وإنما يفعل ذلك لأنه يتصور أن هذا الشخص عدو لله ورسوله، وأن سبه والطعن فيه يزيده أجراً وثواباً”.

وتساءل رفيقي: “لماذا تقوم التنظيمات الدينية، والتنظيمات الأصولية عموماً، حتى تلك التي تُصنَّف أحياناً بأنها معتدلة، على منطق الكراهية؟”، معتبراً أنها “تصنع هويتها بذلك، لكون أسرع طريقة لتعريف الذات هي تعريفها بما هو خارجها”، واسترسل: “لذلك تبدأ التصنيفات: أهل الحق وأهل الباطل، أهل السنة وأهل البدعة، الفرقة الناجية والفرقة الضالة… إلى غير ذلك من الثنائيات التي ترسم حدوداً فاصلة”.

وشدد المتدخل نفسه على أنها تقوم بذلك أيضاً “لضمان الولاء”، مردفا: “عندما تُقنع الفرد بأن المجتمع فاسد، والإعلام مضلل، وأكثر الناس فساق، وأن الدولة تركت الدين، فإنه سيشعر بالغربة وسط محيطه كله، وسيبحث عن ملجأ؛ وعندئذ تصبح الجماعة هي ملاذه الوحيد الذي يقوي إحساسه بالانتماء والأمان”، معززاً هذا الطرح بكون “التيارات الأصولية، وخصوصاً السلفية منها، تركِّز في خطابها على التحذير من الآخر ومعاداته أكثر مما تركِّز على كثير من أدبياتها الأخرى”.

وانتقد رفيقي التنظيمات الأصولية لكونها “لا تستطيع أن تعيش أو تستمر دون عدو، إلى درجة أنها تصنعه حين لا تجده؛ لأنها تقتات على هذه الثقافة وتعيش بها”، مبدياً استخفافه بما سماها “الجماعات الإسلاموية”، التي ضَرَبَ لها مثلاً بأَنَّ “زعيماً سياسياً، يقود حزباً معترفاً به ويشارك في الانتخابات، يصعد إلى المنصة، فلا يتحدث عن برنامجه، ولا عن مشروع حزبه، وإنما يقضي معظم خطابه في مهاجمة الناس”، في إشارة واضحة إلى عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية.

The post رفيقي يفكك آليات "تديين المشاعر" .. من بناء الهوية إلى صناعة العدو appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress