"راح البيت"... صحافيون نازحون: التغطية مستمرة!
"أعود إلى أين؟" سؤالٌ يتردّد في ذهن الصحافي علي عميص بعدما خسر منزله ومؤسسته الإعلامية في النبطية، وسرقت منه الحرب أحلامه وكل ما بناه، ليعود إلى سيناريو النزوح الذي تعب منه.
علي جزءُ من مجموعة الصحافيين النازحين الذين ينقلون قصص الناس وأوجاعهم، لكن قصصهم لا تُروى. فخلف كاميراتهم وعناوينهم، عاشوا تجربة النزوح نفسها التي كانوا يوثّقونها للآخرين. هم الذين حملوا هواتفهم وحواسيبهم على عجل، تركوا منازلهم وأحلامهم خلفهم، وأكملوا العمل فيما كانت حياتهم تتلاشى شيئاً فشيء.
في تلك الليلة "المشؤومة"، لم يجد الصحافي علي عميص وقتاً ليودّع منزله الجديد ولا أبسط الأمور التي اقتناها بحب و"وضعتها زوجته في مكانها المناسب". كان قد انتقل إليه قبل نحو شهرين من بدء الحرب، وظنّه قلعة أمان بعيدة عن الخطر. خرج على عجل كما خرج آلاف اللبنانيين، معتقداً أن الغياب سيكون موقتاً... حتى أيقظته زوجته في صباح أحد الأيام، بكلمات قليلة اختصرت كل شيء: "راح البيت". حينها فتح هاتفه ليرى منزله ركاماً يحترق.
لم تكن تلك الخسارة الوحيدة. فتوالت النكبات ودُمّر المبنى الذي شهد انطلاقته المهنية الأولى في النبطية، وأسقط معه قناته التي أسسها منذ سنة لتكون من أوائل المؤسسات الإعلامية في المنطقة. هي خسارات متتالية جعلته يشعر أن الحرب لا تكتفي بسرقة الحجر، بل تسرق أيضاً الإحساس بالاستقرار. واليوم، حين يُسأل عن العودة، يجيب بإحباطٍ: "أعود إلى أين؟".
وعلى بعد كيلومترات، كان الصحافي الزميل جاد فقيه يعيش نوعاً آخر من التحديات. يتذكر جيداً فجر 2 آذار/مارس، يوم بدأ النزوح. حينها، انتظر وعائلته 24 ساعة قبل أن يعثروا على منزل بديل بعدما غادروا الضاحية الجنوبية لبيروت. وبينما كان أهله في رحلة البحث، كان هو في الشارع مع رفاقه يساعدون في تنظيم السير وإفساح الطريق أمام سيارات الإسعاف، قبل أن يتوجّه بعد ذلك إلى عمله لتغطية الأحداث.
وفي ظل الارتفاع الكبير في أسعار الإيجارات، يتقاسم مع أهله وإخوته أعباء تأمين بدل السكن. ورغم تضاعف المعاناة، يؤكد أن الاستمرار في العمل خلال هذه الظروف يبقى أساسياً، مشيراً إلى أن "الصحافي ينتظر مثل هذه اللحظات ليُثبت نفسه ويؤدي دوره، وخصوصاً في نقل ما عاشه بنفسه، كما عاشه كثيرون من اللبنانيين خلال هذه الحرب".
أما المحرّرة بتول بزّي، فكانت لا تزال "عروساً جديدة" عندما اندلعت الحرب. بالكاد انتهت من ترتيبات الزفاف وانتقلت إلى منزلها الجديد لتبدأ حياة مختلفة مع زوجها، حتى وجدت نفسها مجدداً تحمل حقائب النزوح.
وبدلاً من الاستقرار الذي انتظرته، انتقلت للعيش وسط عائلة كبيرة تضم نحو عشرة أشخاص. تغيّرت تفاصيل الحياة اليومية كلها: ساعات العمل، أوقات الراحة، وحتى المساحة الشخصية لإنجاز عملها كمحرّرة.
كانت تستيقظ فجراً للعمل بينما ينام الآخرون، وتحاول التركيز وسط انقطاع الإنترنت وضغط الأخبار والتحذيرات الأمنية. أحياناً كانت تتلقى خبراً عاجلاً يتطلب النشر الفوري، فيما يكون قلبها مشغولاً بمحاولة الاطمئنان على أقاربها وأحبائها.
إلى زميل آخر، انتقل من الجنوب إلى الضاحية خلال الحرب، ومن الضاحية إلى فندق، فإلى رحلة بحث صعبة عن منزل للايجار بسعر مقبول.
ورغم كل ذلك، لم يتوقفوا. بل استمروا في الكتابة والتصوير والتغطية ونقل الأخبار فيما كانوا يحملون هموم النزوح والخسارة والقلق نفسه الذي يحمله الناس. وربما لهذا السبب بدت رواياتهم أكثر صدقاً، لأنهم لم يكونوا مجرد ناقلين للحدث، بل باتوا جزءاً منه، ولم يكونوا صحافيين فقط، بل نازحين وأفراد من شعب يحاول النجاة.