معطيات تُفصل في دعم مستوردي الماشية والإعفاءات الجمركية بالمغرب

أكدت معطيات توفرت لجريدة هسبريس الإلكترونية أن مجموع الدعم الموجه لاستيراد الماشية لم يتجاوز 438 مليون درهم، وليس 13 مليار درهم كما رُوّج له في أوساط الرأي العام.

منطق “تدخل استباقي”

ذكرت معطيات هسبريس اعتماد الحكومة على منطق “التدخل الاستباقي في إطار رؤية استراتيجية”؛ إذ جاء التدخل الحكومي في تدبير وضعية القطيع الوطني ضمن مقاربة استباقية من أجل الحفاظ على توازن المنظومة الفلاحية وضمان استمراريتها.

في التفاصيل، وبالعودة إلى سنة 2020 مع بداية موجة الجفاف وانتشار جائحة “كوفيد-19” وبداية الصراع الأوكراني، واجه القطيع الوطني أُولى التحديات، مما فرض التدخل لدعم المنتجين لحماية الأمن الغذائي الوطني من مخاطر التآكل التدريجي للقطيع، سواء على مستوى الأبقار أو الأغنام.

المعطيات حينَئذ كانت قد أبانت عن “تراجع” في القطيع الوطني من الأبقار، مقابل ضغط متزايد على القطيع الوطني من الأغنام نتيجة تراجع المراعي وارتفاع أسعار الأعلاف بسبب موجة الجفاف، وهو “ما كان ينذر باختلال كبير في سلاسل الإنتاج الحيواني”، حسب المعطيات ذاتها.

وسعت الحكومة، ضمن اختصاصاتها، إلى “تنظيم عمليات الاستيراد” كآلية لتخفيف الضغط على السوق الداخلية من خلال الحفاظ على القطيع الوطني واحتواء ارتفاع الأسعار. وهكذا، شهدت واردات الأبقار ارتفاعا ملحوظا منذ سنة 2023 لتصل في “المجموع التراكمي” إلى 257 ألف رأس سنة 2025، مع تواصل هذه العملية خلال سنة 2026. والأمر نفسُه بالنسبة لواردات الأغنام، التي نظمتها الوزارة خلال سنتي 2023 و2024، والتي تم توقيف العمل بها في يونيو 2024.

شفافية المساطر ومرونة التنفيذ وصرامة الحكامة

في إطار تدبير عمليات استيراد الأغنام خلال سنتَي 2023 و2024، اعتمدت الحكومة مقاربة تنظيمية صارمة تقوم على الوضوح والشفافية في تحديد الشروط والمساطر، بما يضمن حكامة جيدة للعملية وتكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين.

واستحضرت معطيات حول الموضوع، توفرت لهسبريس، توقيعَ “قرار مشترك” بين وزارة الفلاحة ووزارة الاقتصاد والمالية، حدّد بشكل دقيق شروط الاستفادة من عملية الاستيراد، وفي مقدمتها “إلزامية إيداع الطلب، وتقديم ضمانة التنفيذ، واعتماد حد أدنى للاستيراد لا يقل عن 1000 رأس لكل مستورد”، إلى جانب مقتضيات تنظيمية أخرى تروم ضمان جدية الالتزامات.

وبموجب القرار ذاته، حُددت الفترة الزمنية المخصصة للاستيراد في إطار سقف زمني واضح يسمح بتأطير العملية ومواكبتها بشكل محكم، بموازاة “ضبط الإجراءات الجمركية” ضمن دورية صادرة عن المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، بما يضمن توحيد المساطر وتبسيطها.

بالانتقال إلى مستوى أكثر قوة لتعزيز الشفافية، نُشرت دورية المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني على بوابته الإلكترونية (ONICL) متضمنةً شروط الاستفادة، وكيفيات التنفيذ، ومقتضيات الأداء، إضافة إلى الآجال المحددة، بهدف “تأمين التزامات المستوردين وتحفيزهم على اتخاذ التدابير اللازمة في الوقت المناسب”.

وفي السياق ذاته، نُشرت لوائح المستوردين المؤهلين بشكل متكرر عبر البوابة الرسمية، مع دعوتهم إلى إيداع ملفاتهم وفق مقتضيات الدورية المشتركة، في خطوة تروم ضمان الوضوح وتكافؤ الفرص.

كما منحت الحكومة للمستوردين حرية تحديد حجم الالتزام من حيث عدد الرؤوس المستوردة، مع التقيد الصارم بالشروط التنظيمية المعتمدة، بما يوازن بين المرونة في التنفيذ والصرامة في الحكامة.

بخصوص الدعم، الذي أثير حوله كثير من النقاش، تبرز معطيات الجريدة أنه “تم ربط صرف منحة 500 درهم عن كل رأس بمجموعة من الشروط الدقيقة”، من بينها الإدلاء بالطلب الأصلي المودع لدى المصالح المختصة، وتقديم شهادات الاستيراد الصادرة عن إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة، والتي تتضمن تفاصيل النقل وعدد الرؤوس وتواريخ الوصول، إضافة إلى شهادة رسو البواخر بالنسبة للنقل البحري، وشهادة المطابقة الصحية الصادرة عن المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية، فضلا عن الوثائق القانونية والإدارية للشركات أو الأشخاص الذاتيين.

ويتّضح أن عملية الاستيراد لم تكن مفتوحة بشكل عشوائي، وإنما “مؤطرة بمنظومة دقيقة” من الشروط والإجراءات التي تضمن الشفافية، وتَحمي المال العام، وتحقق النجاعة في التدبير.

عدد المستوردين والرؤوس (2023-2024)

أفادت مؤشرات رقمية توفرت لهسبريس بأن “153 مستوردا شاركوا باستيراد 875.754 ألف رأس من الأغنام بين العامين 2023 و2024”.

التحليل العام لعملية استيراد الأغنام يميط اللثام عن مجموعة من الخلاصات الأساسية التي تؤكد طابعها المنظم والشفاف والمتوافق مع الإطار التنظيمي المعتمد.

وفي التفاصيل، تمت عملية الاستيراد في إطار يتسم بشفافية تامة، دون إقصاء أو تمييز، وبالاعتماد على معايير موضوعية وواضحة وموحدة. وفي هذا السياق، عبَّر 247 مستوردا عن رغبتهم في المشاركة، ليتم بناء على ذلك، تشكيل لجنة تتبع العملية، المعيّنة بقرار من وزير الفلاحة، بوضع معايير موضوعية، ترتكز أساسا على كرونولوجيا وضع الطلبات لدى مصالح المكتب، إضافة إلى “اعتماد عتبة دنيا لا تقل عن 1000 رأس لكل ملف”، وفقا للمقتضيات التنظيمية.

في نهاية المطاف، تم قبول 153 مستوردا مؤهَّلًا، أي ما يمثل حوالي 65% من مجموع الطلبات المقدمة. وتم نشر لائحة المستوردين المؤهلين بشكل تدريجي عبر بوابة المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني (ONICL) تماشيا مع تقدم العملية.

على مستوى التنفيذ الفعلي، بلغت الواردات 488.789 رأسا سنة 2024، أي “ما يعادل 81% من الحصة المحددة”، بحسب بيانات رسمية توفرت لهسبريس.

وقد سمحت عمليات التحقق المتبادل مع إدارة الجمارك بتحديد الأعداد المؤهلة فعليا للدعم، التي بلغت 386.965 رأسا سنة 2023 بمبلغ دعم وصل إلى 193.482.500 درهم، و488.789 رأسا سنة 2024 بمبلغ 244.394.500 درهم، أي ما مجموعه 437.877.000 درهم.

الاستيرادات: الأرقام الرئيسية والجدولة الزمنية لسنة 2024

437 مليون و877 ألف درهم: قيمة دعم استيراد المواشي

في خضم النقاش العمومي، تم الترويج لمغالطة مفادها أن “الدعم الذي قدمته الدولة لمستوردي الماشية بلغ 13 مليار درهم”، والواقع أنه لا يتعلق بـ”دعم مباشر لفائدة المستوردين”، ولا بـ”تحويلات مالية عمومية” بهذا الحجم، بل بإجراءات جبائية همّت-أساسا-تعليق الرسوم الجمركية والضريبة على القيمة المضافة المطبقة على استيراد بعض أصناف الماشية، وذلك بهدف تشجيع الاستيراد من أجل تخفيف الضغط على السوق الوطنية وضمان استقرار الأسعار.

وتشير المعطيات المحينة التي توفرت لهسبريس إلى أن “الدعم الحقيقي لم يتجاوز 437.877.000 درهم فقط”. وبالتالي، فإن تقديم هذه الإجراءات على أنها “كلفة دعم” مالية مباشرة يشكل قراءة غير دقيقة لطبيعة التدخل العمومي.

ومن الجدير ذكرُه أن الرسوم الجمركية التي كانت مطبقة على استيراد الأبقار كانت محددة في 200%، والضريبة على القيمة المضافة في 20%، وهي تدابير احترازية كان الهدف منها حماية مربي الماشية من المنافسة الخارجية؛ غيرَ أن توالي سنوات الجفاف وتدهور سلاسل الإنتاج الوطني فرضا إعادة النظر في هذه الحواجز الجمركية الاحترازية، حيث إن الإبقاء عليها كان سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار اللحوم يفوق 220%، إضافة إلى تدهور القطيع الوطني.

حصيلة عملية استيراد الأغنام

الإعفاءات الجمركية والدعم.. إجراءان بهدف واحد

في السياق نفسه، تبين المعطيات أن منطق التدخل لم يكن قائما على دعم العرض كغاية في حد ذاتها، بل على توجيه السوق نحو التوازن عبر تعزيز التزويد وتقليص الفجوة بين العرض والطلب.

كما تم اعتماد آليات تنظيمية مفتوحة أمام الفاعلين الخواص للاستيراد، في إطار قانوني واضح، مع توجيه الأثر النهائي لهذه العملية نحو السوق الاستهلاكية.

وتؤكد المعطيات المرتبطة بسلاسل الإنتاج أن التحدي الأساسي خلال هذه المرحلة لم يكن فقط في الإنتاج، وإنما في ضمان وصول المنتج النهائي إلى المستهلك دون ارتفاعات حادة في الأسعار، خصوصا في فترات الذروة مثل عيد الأضحى. وهو ما يفسر طبيعة التدخلات التي ركزت على استقرار الأسعار كأولوية اجتماعية.

إجمالا، ومن هذا المنظور، فالمستوردون لم يكونوا هدفا للدعم، بل مجرد حلقة ضمن سلسلة تزويد منظمة، بينما ظل المواطن هو “المستفيد النهائي” من هذه السياسة، سواء عبر استقرار الأسعار أو عبر الحفاظ على وفرة العرض في السوق الوطنية.

رهانات على المديَيْن المتوسط والطويل

The post معطيات تُفصل في دعم مستوردي الماشية والإعفاءات الجمركية بالمغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress