ذاكرة تُفرع من شجرة... "أصداء الوجود" يقرأ كينونة الصّنوبرة
ثمة معارض تُبنى حول الفنانين، وأخرى تستعيد حقباً تاريخية أو تستكشف تيارات فنية. أما معرض "أصداء الوجود"، المقام في جناح نهاد السعيد للثقافة داخل المتحف الوطني في بيروت، فيختار بطله من مكان أكثر هدوءاً: شجرة.
نادراً ما تحظى الصنوبرة بالمكانة الأسطورية التي يتمتع بها أرز لبنان، أو بالرمزية الكونية التي ارتبطت بشجرة الزيتون. ومع ذلك، يقدّم المعرض قراءة مقنعة ترى فيها عنصراً أكثر رسوخاً مما يبدو في المخيلة البصرية لشرق المتوسط. فهي ذاكرة وجغرافيا واستمرارية، وأصبحت اليوم رمزاً للهشاشة أيضاً.

المعرض الذي أطلقته سفارة إيطاليا في لبنان برعاية وزارة الثقافة، وتولت مورييل الأسمر تنسيقه الفني، ينجح لأنه يتجنب الوقوع في فخ الرمزية الديبلوماسية أو الخطاب البيئي المباشر. وبدلاً من ذلك، ينسج حواراً هادئاً بين أجيال مختلفة، وتجارب فنية متباعدة، وبلدين يتقاسمان إرثاً متوسّطياً واحداً.
ما بعد الرمز
في المعرض، تبرز الصنوبرة كلغة بصرية يخاطب بها زائريه؛ وعلى امتداد ثلاث طبقات، تتبدل معانيها وصورها من تجربة إلى أخرى.
بالنسبة إلى إنزو كوكي، أحد أبرز الفنانين الإيطاليين المعاصرين وأحد مؤسسي حركة "الترانسافانغارديا"، تنتمي الصنوبرة إلى عالم الأسطورة. يبدو تركيبه الفني أشبه بمخطوطة قديمة ممزقة الصفحات، تتجاور فيها الرسوم الأولية والرموز والمنحوتات والشذرات. يبني لغة بصرية موغلة في القدم، تتحول فيها الأشجار إلى إشارات أكثر منها موضوعات للرسم. وتوحي خطوطه السريعة بعلامات الإنسان الأولى على الصخور، كأن الطبيعة تُكتشف من جديد ولا تُصوَّر، فتغدو حضوراً ميتافيزيقياً أكثر منها منظراً طبيعياً.

في المقابل، يقود جيلبير الحلبي التجربة إلى مساحة وجدانية مختلفة تماماً. فإذا كان كوكي يرسم الذاكرة بوصفها أسطورة، فإنّ الحلبي يرسمها بوصفها حنيناً. وبعد أكثر من عقدين في روما، تبدو مناظره الطبيعية وكأنها أماكن معلقة بين الحضور والغياب. أما لوحته الدائرية الضخمة المفروشة على الأرض، حيث تتنفس أشجار الصنوبر تحت انعكاسات الضوء، فتحوّل المشاهد من متفرج إلى مشارك.
إنها من أنجح الخيارات التنسيقية في المعرض. فالحوار بين الفنانين لا يقوم على التشابه أو التقليد، بل على اختلاف الرؤيتين، إذ يكشف كل منهما بعداً فلسفياً مختلفاً للرمز نفسه. ويُحسب لمورييل الأسمر أنها تجنبت أحد أكثر فِخاخ المعارض الدولية شيوعاً، أي تحويل الفنانين إلى ممثلين لبلدانهم. فبدلاً من بناء مقارنة بين إيطاليا ولبنان، صنعت مساحة لقاء بين تجربتين فنيتين.
إعادة قراءة للفن اللبناني
المفاجأة الأبرز تنتظر الزائر في الطابق السفلي، حيث يتجاوز المعرض الحوار بين كوكي والحلبي ليكشف أنّ الصنوبرة كانت حاضرة في تاريخ الفن اللبناني الحديث أكثر مما يُعتقد. وتُظهر أعمال عمر الأنسي، ومصطفى فروخ، وقيصر الجميل، وعارف الريّس، وغيرهم، أنّ هذه الشجرة رافقت رسّامي لبنان على امتداد أكثر من قرن، وإن بقي حضورها أقلّ صخباً من الأرز الذي استأثر بمعظم السرديات الوطنية.

إدراج هذه الأعمال التي جُمعت نتيجة البحث الذي أنجزه صالح بركات، يغيّر المعرض جذرياً. فمن دونها كان المشروع سيبقى حواراً أنيقاً بين فنانين معاصرين، أما وجودها فيربطه مباشرة بتاريخ الفن اللبناني، ويمنحه امتداداً تاريخياً أوسع. ويكشف هذا البحث أن الصنوبرة، في الرسم اللبناني، كانت فضاءً بصرياً متكرراً ارتبط بالهوية والانتماء وذاكرة المكان.
البيئة تدخل إلى المتحف
في الطبقة الأخيرة، يكتسب المعرض بعداً جديداً. فبالتعاون مع وحدات الكارابينييري الإيطالية المتخصصة في الغابات والتنوع البيولوجي، ينتقل من تأمل الطبيعة إلى التفكير في مسؤولية حمايتها. وتنتشر عشر منحوتات خشبية من أنواع مختلفة من الأشجار الإيطالية، ترافقها مواد تعريفية حول حماية الغابات والتنوع البيولوجي.
تزداد أهمية هذا البعد في السياق اللبناني، بعدما تعرضت غابات الصنوبر في السنوات الأخيرة لأضرار كبيرة نتيجة انتشار أنواع دخيلة هددت إنتاج الصنوبر وكشفت هشاشة هذا الإرث الطبيعي.

يغيّر "أصداء الوجود" نظرتنا إلى الصنوبرة نفسها، فتصبح شاهداً على تاريخين متوازيين وذاكرة متوسطية مشتركة. ويبرهن أنّ الفن لا يكتفي بتمثيل الواقع، بل يستطيع أيضاً أن يُعيد اكتشافه، وأن يبني بين الشعوب جسوراً قد تعجز السياسة عن تشييدها.