ديما مغرب
ثمة مباريات تنتهي بالتعادل على الورق، لكنها تترك في الذاكرة شعورا مختلفا تماما، وثمة نتائج لا تقاس بما تضيفه إلى رصيد النقاط بقدر ما تقاس بما تكشفه من تحولات عميقة في موازين القوة والثقة والطموح، وهذا بالضبط ما حدث مساء السبت في ملعب “نيوجيرسي”، حين فرض المنتخب المغربي التعادل على البرازيل في افتتاح مشواره بكأس العالم 2026، وخرج من المباراة أكثر قوة مما دخلها.
على امتداد عقود طويلة، كان مجرد الوقوف ندا لند أمام البرازيل يعد حدثا استثنائيا في تاريخ أي منتخب، فكيف إذا تعلق الأمر بمنتخب يحمل في خزائنه خمسة ألقاب عالمية، ويرتبط اسمه بأجيال صنعت أسطورة كرة القدم الحديثة، من بيليه إلى رونالدو، ومن زيكو إلى رونالدينيو، لكن ما جرى في نيوجيرسي أكد مرة أخرى أن كرة القدم المغربية غادرت منذ زمن موقع المتفرج على الكبار، وانتقلت إلى موقع المنافس لهم.
التعادل بهدف لمثله لا يحكي كل القصة، لأن من تابع المباراة رأى منتخبا مغربيا دخل أرضية الميدان بثقة الكبار، فاستحوذ على الكرة منذ الدقائق الأولى، وفرض إيقاعه، وأجبر البرازيل على التراجع إلى مناطقها الخلفية، حتى بدا في فترات طويلة من الشوط الأول وكأن المنتخب صاحب الألقاب الخمسة هو من يبحث عن مخرج من الضغط المغربي المتواصل، بينما كان أسود الأطلس يتحركون بثقة وانسجام، ويتبادلون الكرة بهدوء فريق يعرف جيدا ما يريد.
وحين رفع إسماعيل الصيباري الكرة فوق أليسون بيكر بلمسة حملت كثيرا من الهدوء والثقة، بدا الهدف وكأنه الترجمة الطبيعية لما كان يحدث فوق أرضية الملعب، فقد جاء بعد دقائق من السيطرة المغربية والجرأة الهجومية التي وضعت البرازيل تحت ضغط غير مألوف، ولم يشعر المغاربة وقتها أنهم أمام مفاجأة أو لحظة استثنائية، بل أمام مشهد فرضه منطق المباراة وأداء منتخب بدا أكثر حضورا وتنظيما وإقناعا.
صحيح أن فينيسيوس جونيور أعاد البرازيل إلى المباراة بهدف التعادل، لكن المفارقة أن ذلك الهدف جاء في وقت كانت فيه كل المؤشرات تميل نحو استمرار التفوق المغربي، وهو ما يفسر طبيعة ردود الفعل التي أعقبت صافرة النهاية، فقبل سنوات قليلة كان التعادل مع البرازيل سيقابل باحتفالات صاخبة باعتباره إنجازا تاريخيا، أما اليوم فقد بدا المزاج العام مختلفا تماما، إذ لم يركز كثير من المشجعين على قيمة النقطة المحققة بقدر ما تحدثوا عن الفرص الضائعة وإمكانية تحقيق الفوز.
حتى إن عددا من التعليقات ذهب إلى التأكيد أن البرازيل هي التي خرجت بنقطة من أمام المغرب لا العكس، وكتب أحد المتابعين: “من شاهد المباراة سيلاحظ أن البرازيل هي من فازت بنقطة أمام المغرب وليس العكس”، بينما علق آخر قائلا: “فينيسيوس هو من منح البرازيل نقطة التعادل أمام المغرب”، وهي عبارات قد تبدو للوهلة الأولى مجرد انفعالات جماهيرية، لكنها في الحقيقة تكشف تحولا أعمق بكثير في الوعي الكروي المغربي.
فالجماهير التي كانت تحتفل سابقا بمجاراة الكبار أصبحت تتحدث اليوم بلغة المنافسة عليهم، والجمهور الذي كان يحلم بتفادي الخسارة أصبح يناقش تفاصيل الفرص الضائعة وإمكانية تحقيق الفوز، وذلك هو الإنجاز الحقيقي الذي تحقق خلال السنوات الأخيرة.
في الدوحة عام 2022، لم يحقق المغرب نصف نهائي تاريخي فقط، بل أعاد رسم صورته أمام العالم وأمام نفسه، ومنذ تلك اللحظة لم يعد ينظر إلى المنتخب المغربي باعتباره ضيفا شجاعا في المواعيد الكبرى، وإنما باعتباره طرفا قادرا على صناعة الحدث والتأثير في مسار البطولة، وما قدمه الأسود أمام البرازيل لم يكن سوى امتداد طبيعي لذلك التحول.
المثير في هذه البداية أن المنتخب لم يكتف بالنتيجة، بل قدم أيضا إشارات مطمئنة على مستوى الأداء، فوسط الميدان ظهر متماسكا وقادرا على فرض الإيقاع، والدفاع تعامل في أغلب فترات المباراة بصلابة كبيرة، فيما واصل ياسين بونو تأكيد مكانته كواحد من أبرز الحراس في كرة القدم العالمية.
وإذا كان الصيباري قد خطف العناوين بهدفه الجميل، فإن أيوب بوعدي خطف الأنظار بأدائه، فالفتى الواعد لعب بثقة لاعب خاض عشرات المباريات الكبرى، وتحكم في إيقاع وسط الميدان، وقدم واحدة من أبرز مباريات المنتخب، حتى إن اسمه تحول إلى أحد أكثر الأسماء تداولا بين الجماهير المغربية بعد صافرة النهاية، ووصفه كثيرون بأنه أحد أكبر المكاسب التي خرج بها المغرب من هذه المواجهة، في مشهد يؤكد أن كرة القدم الوطنية لا تعيش على جيل واحد، بل تواصل إنتاج المواهب القادرة على حمل المشعل.
وفي المقابل، خرج المدرب محمد وهبي من اختباره الرسمي الأول أكثر قوة وثقة، فالرجل الذي تسلم المهمة وسط أسئلة كثيرة حول قدرته على قيادة منتخب يحمل إرث نصف نهائي كأس العالم، وجد نفسه بعد مباراة البرازيل محاطا بإشادة واسعة من الجماهير التي أثنت على خياراته وتدبيره للمباراة.
طبعا، لا أحد يستطيع أن يحكم على مسار منتخب في بطولة عالمية من مباراة واحدة، والطريق ما زال طويلا، كما أن مواجهة اسكتلندا المقبلة قد تكون أكثر تعقيدا مما يتصور البعض، لأن مباريات المونديال لا تعترف بالتاريخ ولا بالأسماء، لكن ما يمكن الجزم به أن المنتخب المغربي قدم في مباراته الأولى ما يكفي من المؤشرات التي تسمح بالتفاؤل.
وقد تسجل السجلات أن المغرب استهل مونديال 2026 بتعادل أمام البرازيل، لكن من شاهد المباراة يعرف أن القصة أكبر من ذلك بكثير، فأسود الأطلس لم ينتزعوا نقطة فقط، بل أكدوا أن مكانهم بين كبار العالم لم يعد استثناء عابرا ولا حلما جميلا، وإنما حقيقة تفرض نفسها مباراة بعد أخرى.
لم تنته الحكاية بعد، وما زال في الطريق الكثير من المباريات والتحديات والاختبارات، لكن البداية كانت كافية لتؤكد أن أسود الأطلس دخلوا هذه النسخة من كأس العالم وهم يحملون الطموح نفسه الذي يرافق الكبار.
The post ديما مغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.