ديكتاتورية الاستحواذ تحوّل اللاعبين إلى روبوتات في كأس العالم
لم تعد السيطرة على الكرة في كرة القدم المعاصرة تعني دائماً التحكم بمجريات المباراة، بعدما تحوّلت فلسفة الاستحواذ لدى الكثير من المنتخبات من وسيلة لصناعة الفرص إلى غاية بحد ذاتها.
في كأس العالم 2026، كشفت بعض المباريات عن هذه المفارقة، بعدما سيطرت منتخبات على الكرة وحققت أرقاماً ملحوظة في التمرير والاستحواذ، ثم عجزت عن تحويل هذه الهيمنة إلى انتصارات أو أداء هجومي ممتع.
وبات هذا المشهد مألوفاً في الملاعب، حيث تمتلئ الشاشات بإحصائيات دقيقة عن التمريرات والخرائط الحرارية، بينما يبحث المشجع عن لحظة إبداع تكسر الرتابة، بعدما أصبح اللاعب مطالباً باتخاذ القرار الآمن أكثر من البحث عن الحل المختلف.
دخلت كرة القدم حقبة ديكتاتورية الاستحواذ، فأصبح الاحتفاظ بالكرة وسيلة لتجنب المخاطر قبل أن يكون طريقاً لصناعة الفرص؛ لذلك بات تدوير الكرة والتحكم بالإيقاع أولوية لدى الكثير من المدربين، حتى لو جاء ذلك على حساب الجرأة.
لكن مونديال 2026 أثبت أنّ الاستحواذ على الكرة لا يعني بالضرورة امتلاك المباراة.
وأظهرت مواجهة إسبانيا أمام الرأس الأخضر في مرحلة المجموعات نموذجاً واضحاً، إذ فرض المنتخب الإسباني سيطرته الكاملة على الكرة، وسدد 27 كرة، وبلغت أهدافه المتوقعة 2.10، لكنه اكتفى بتعادل سلبي، بعدما اصطدم بدفاع منظم أغلق المساحات وحوّل الاستحواذ إلى سيطرة بلا فاعلية.

وتكرّر المشهد مع البرتغال أمام الكونغو الديموقراطية، والتي بالرغم من استحواذها على الكرة بنسبة 80%، افتقدت السرعة في نقل اللعب، وظلّت هجماتها تدور بعيداً عن مناطق الحسم، قبل أن يستغلّ المنتخب الكونغولي المنافس هجمة مرتدة سريعة ويخرج بتعادل أكّد أنّ كثرة الاستحواذ لا تعني دائماً صناعة الفرص.
ولا تعني هذه الأمثلة أنّ الاستحواذ قد فقد قيمته، لكن التحوّل إلى غاية بحدّ ذاته من دون خلق فرص حقيقية يضعف تأثيره؛ فالتطوّر التكتيكي وتحليل البيانات قيّدا اللاعب بتوجيهات صارمة تقلل من هامش المخاطرة وأصبح اللاعب أكثر التزاماً بالمنظومة من اعتماده على الحلول الفردية.
النتيجة كانت تضاؤل الابتكار الذي خلق أجمل لحظات كرة القدم؛ التمريرات الجريئة، والمراوغات غير المتوقعة، والقرارات التي تولدها الإلهام باتت أقل أمام الخطط والتعليمات.
ولو كان الأساطير مثل رونالدو البرازيلي، وروماريو، وروبرتو باجيو، وغابرييل باتيستوتا يلعبون اليوم، لواجهتهم منظومات أكثر صرامة، لكن موهبتهم كانت ستظل قادرة على تجاوز أعقد الخطط بلمسة واحدة.
لقد منحت كرة القدم الحديثة اللعبة دقة وتنظيماً غير مسبوقين، لكنها أيضاً قلصت المساحة التي كانت تتيح للمواهب صناعة الفرق بعيداً عن النص المكتوب.
