خبراء يبحثون آفاق التكاملات الاستراتيجية بين الإعلام والصناعات الإبداعية

في سياق التحولات الرقمية المتسارعة وتنامي دور الإعلام والصناعات الإبداعية في تعزيز السيادة الإعلامية والثقافية للدول، نظِّمت اليوم السبت ندوة على هامش الدورة الثالثة لمعرض المغرب لصناعة الألعاب الإلكترونية المقام بالعاصمة الرباط، تحت عنوان “الإعلام والصناعات الإبداعية والثقافية.. الأدوار والتكامل الممكن”، جمعت ثلة من الإعلاميين والخبراء والباحثين الذين حاولوا استشراف السبل الممكنة لتعزيز التعاون والتكامل في الأدوار ما بين الصناعتين الإعلامية والإبداعية.

وأجمع الخبراء والمختصون المشاركون في هذه الندوة على أن التكامل بين الإعلام والصناعات الثقافية والإبداعية لم يعد ترفا نظريا؛ بل ضرورة استراتيجية لتعزيز السيادة الثقافية والرقمية، وبناء قوة ناعمة قادرة على تحسين صورة البلاد وتسويقها في الخارج، مشددين في الوقت ذاته على الدور المحوري للصناعات الإبداعية، وعلى رأسها الألعاب الإلكترونية، كمحرك جديد للنمو الاقتصادي ورافعة للتنمية متعدد الأبعاد.

وفي كلمة له بهذه المناسبة، قال محمد المهدي بنسعيد، وزير الشباب والثقافة والتواصل، إن “هذه الندوة جاءت لتسلط الضوء على تلاقح وتكامل أدوار الإعلام والصناعات الإبداعية والثقافية، ليس فقط كأدوات للتعبير أو الترفيه؛ بل كركائز أساسية لتعزيز السيادة الثقافية والرقمية والإعلامية لبلادنا، وكمحرك جديد للنمو الاقتصادي، ورافعة استراتيجية للقوة الناعمة التي تعزز مكانة المغرب على الساحتين الإقليمية والدولية، وذلك في إطار تفعيل التوجهات الطموحة الرامية إلى مواكبة الديناميكية الكبيرة والاستثنائية التي يشهدها قطاع الألعاب الإلكترونية في بلادنا”.

وأضاف بنسعيد، في الكلمة التي تلاها بالنيابة عنه مصطفى أمدجار، مدير الاتصال والعلاقات العامة بوزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع التواصل، أن “هذا اللقاء يسعى إلى فتح فضاء حر ومثمر للحوار بين الإعلاميين والخبراء والمهنيين، بهدف تجسيد تكامل فعلي وإبراز العلاقة العضوية المتجذرة بين الإعلام والصناعات الثقافية والإبداعية؛ فكلاهما يؤثر في الآخر ويمنحه آفاقا أرحب”.

وزاد: “هدفنا المشترك هو استشراف السبل الكفيلة بتثمين جسور التعاون بين المشهد الإعلامي وهذه الصناعات الصاعدة. ومن خلال محاور هذه الندوة، نتطلع إلى تعميق رؤيتنا الجماعية لتطوير منظومتنا الإعلامية والثقافية والإبداعية، وتعزيز الصناعات الثقافية والإبداعية لما توفره مجالاتها من فرص واعدة وكبيرة للتطور والتحديث. والرهان كبير، والآمال معقودة على النقاشات التي ستعرفها الندوة لرسم معالم خارطة طريق واضحة ومشتركة ومبتكرة، تجمع بين جاذبية الإعلام ومؤهلات الإبداع الثقافي والرقمي”.

من جهته، قال أحمد حبيبي، الخبير بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم “الألسكو”، في مداخلة له، إن “التكامل بين الإعلام والثقافة أضحى ضرورة ملحة في الوقت الراهن؛ فالإعلام لم يعد مجرد وسيلة ناقلة أو وسيطا لنقل الثقافة إلى الجمهور، بل تحول إلى شريك حقيقي في الإنتاج، والتوزيع، والاستهلاك، وفي صناعة القيم الثقافية وتطوير مهنها ومقارباتها”.

وأوضح حبيبي أن “هذه الشراكة تخلق تحالفا يقود إلى بناء قوة ناعمة مؤثرة تساهم في تحسين وصناعة صور الدول والمجتمعات وتسويقها لدى الآخر”.

وتابع الخبير بـ”الألسكو”: “هذا التكامل يؤدي أيضا دورا أساسيا في حفظ وتثمين التراث الثقافي المادي واللامادي؛ فالمتاحف الافتراضية، على سبيل المثال، تساهم بفعالية في دمقرطة الثقافة وإتاحتها للجميع؛ إذ تمكن أي مواطن أو طالب في أقصى مناطق المغرب من زيارة أي متحف في العالم والتجول فيه افتراضيا، ليكون مستهلكا ومنتجا للثقافة عبر الفضاء الرقمي المتاح”.

وأشار المتحدث ذاته إلى أن “اللامركزية الثقافية في الوطن العربي ليست بالقوة المطلوبة؛ وهو ما يجعل الإعلام الرقمي وسيلة ضرورية لإيصال الخدمات والحقوق الثقافية الأساسية إلى الناس، إذ يساهم الإعلام بقوة في فك العزلة الثقافية عن المناطق البعيدة والأكثر لامركزية عن العواصم؛ مما يخلق طيفا ثقافيا متنوعا ومنتشرا يضمن دمقرطة وصول الناس إلى الثقافة وديمقراطية تقديمها وإيصالها إليهم بالتساوي، تماما كالخدمات الصحية والتربوية”.

وشدد حبيبي على أن “الإعلام الرقمي يلعب دورا بارزا في تعزيز الهوية الثقافية من خلال إبراز الخصوصيات الفريدة لكل بلد وتقديم ما يميزه”، معتبرا أن “المغرب نموذج للبلد المتنوع ثقافيا ولغويا وعرقيا، وهو تنوع يكتشفه الجميع يوميا عبر الإعلام من خلال أبعاده المتعددة: العربية، والأمازيغية، والإفريقية، والعبرية، والأطلسية، والمتوسطية”، لافتا إلى أن “هذه الفسيفساء تمنح المجتمع ثراء كبيرا، حيث يقدم الإعلام هذه الصورة الإيجابية للآخر كنموذج لهويات متعايشة ومسالمة تجد مكانتها وحقها ضمن النسيج الاجتماعي والثقافي؛ مما يصنع قوة ناعمة للبلد”.

وفي مداخلة له خلال هذه الندوة، أكد عبد الصمد مطيع، مدير المعهد العالي لمهن السينما والسمعي البصري، أن “الاحتفاء بالرباط كعاصمة للإعلام العربي لعام 2026 يعد محطة أساسية وتتويجا لجملة من الجهود المبذولة لنسج علاقات التقارب والتكامل بين الإعلام والصناعات الإبداعية والثقافية”، لافتا إلى أن “تنظيم هذا المعرض يجسد بوضوح ثمار هذا التكامل القائم بين هذه القطاعات”.

وأضاف مطيع: “يتموقع المغرب اليوم كقطب عالمي رائد في صناعة الألعاب الإلكترونية؛ وهو ما يعكس الوعي المتنامي لدى الفاعلين الوطنيين والمحليين بأهمية تطوير هذه الصناعة الواعدة لضمان مكانة متميزة ومرموقة في الأسواق الدولية”.

وأبرز مدير المعهد العالي لمهن السينما والسمعي البصري أن “التكوين يلعب دورا محوريا ويشكل لبنة أساسية في هذا المسار، حيث يبرز المعهد العالي لمهن السمعي البصري والسينما كفاعل رئيسي في تأهيل المواهب الصاعدة وتزويد السوق بالموارد الإعلامية والثقافية اللازمة لتطويرها”.

وزاد المتدخل عينه: “العلاقة بين الإعلام والصناعات الإبداعية هي علاقة تكاملية ضاربة في التاريخ منذ عهد الصحافة الورقية التي خصصت صفحات وملاحق ثقافية لدعم هذه الصناعة، وتطورت مع الإذاعة والتلفزيون حتى بلغت ذروتها اليوم بفضل الثورة الرقمية التي قربت المسافات ونوعت أشكال التعاون”.

وأكد أن “الصناعات الإبداعية والثقافية استفادت بشكل هائل من الطفرة التكنولوجية، لا سيما في مجال الألعاب الإلكترونية، على مستويات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك. وقد أدى هذا التطور إلى تحول جذري في دور المستهلك الذي لم يعد مجرد متلقٍ؛ بل أصبح فاعلا أساسيا ومنتجا ومستهلكا في آن واحد، مما ساهم في نشر هذه السوق والتعريف بها على نطاق أوسع”.

وأشار مطيع، في ختام مداخلته، إلى “جملة من التحديات الراهنة التي تستوجب المواجهة، وعلى رأسها تحدي التكوين عبر صياغة برامج تعليمية تواكب التطور المتسارع للسوق، يليه التحدي القانوني المتعلق بحماية الملكية الفكرية والمعطيات الشخصية لتثمين هذه الصناعات، فضلا عن التحدي المجتمعي المرتبط بتنشئة المجتمع على استهلاك هذه المنتجات الإبداعية”، مبرزا أن “معالجة هذه التحديات تصب في إطار قضايا السيادة الثقافية والرقمية للدول؛ وهي ملفات تبذل فيها المملكة المغربية جهودا ومبادرات جادة، مستهدفة بالأساس فئة الشباب التي تظل المستفيد الأكبر والمحرك الرئيسي لمستقبل الإبداع والتفكير في مواجهة هذه التحديات”.

The post خبراء يبحثون آفاق التكاملات الاستراتيجية بين الإعلام والصناعات الإبداعية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress