حوار خاص- معالي عبدالله بن طوق المري: الإمارات تحوّل الأزمات إلى فرص وتبني اقتصاداً عماده رفاه الإنسان
خلف الواجهات الزجاجية لمركز دبي المالي العالمي (DIFC)، حيث تتحرك واحدة من أكثر البيئات الاقتصادية حيوية في المنطقة، بدا الحديث مع وزير الاقتصاد والسياحة الإماراتي عبدالله بن طوق المري أبعد من مقابلة عن الأرقام والنمو. كان أشبه برحلة داخل الطريقة التي تفكر بها الإمارات في الاقتصاد: كيف تستعد قبل الأزمات، وكيف تديرها عندما تقع، وكيف تحوّلها إلى نقطة انطلاق لمرحلة جديدة.

في الحوار المطوّل مع رئيسة مجموعة "النهار" نايلة تويني ضمن "بودكاست مع نايلة"، يستعيد الوزير لحظات إدارة الأزمة الأخيرة، عندما تحوّل جدول أعماله إلى غرفة عمليات مفتوحة، وانتقلت الأولوية إلى حماية الأسواق وسلاسل الإمداد واستقرار أسعار السلع. لكن القصة لا تتوقف عند إدارة الطوارئ؛ بل تمتد إلى رؤية أوسع، تربط بين الذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي، والموانئ، والسكك الحديدية، والسياحة، واقتصاد المستقبل.
من الرهان على اقتصاد غير نفطي يتجه إلى تجاوز عتبة 80 في المئة، إلى بناء قطاعات جديدة في التكنولوجيا والعافية وطول العمر، يرسم معاليه ملامح نموذج اقتصادي يقوم على فكرة واحدة: أن الجاهزية ليست رد فعل على الأزمات، بل ثقافة تُبنى قبلها بسنوات.

غرفة عمليات مفتوحة
في الأيام العادية، يُبنى جدول الوزير قبل أسابيع وربما أشهر. لكن عبدالله بن طوق المري، وزير الاقتصاد والسياحة في دولة الإمارات، اختار في قلب الأزمة أن يبقي جدوله فارغاً (غير محدد المواعيد مسبقاً) كمساحة للاستجابة: اجتماع في السابعة والنصف صباحاً لمراجعة المشاريع، وآخر في الثامنة والنصف إذا ظهرت مشكلة، ونزول إلى الميدان عند التاسعة إذا استدعت الحاجة. بهذه الصورة، يبدأ الوزير روايته عن إدارة لحظة استثنائية، كان فيها استقرار الأسعار واستدامة سلاسل الإمداد وتوافر المواد الغذائية على الرفوف أولويات لا تحتمل التأجيل.
 
إن العمل خلال الأزمة لم يقتصر على الاجتماعات، إذ تواصلت فرق الوزارة مباشرة مع التجار والموردين، واستمعت إلى الشركات ومؤسسات القطاع الخاص، ثم حوّلت الملاحظات الميدانية إلى أدوات عملية. ومن بين الأفكار التي خرجت من تلك المرحلة منصة رئيسة لمراقبة أسعار السلع، أصبحت بعد أسبوعين مدعومة بالذكاء الاصطناعي، ثم تطورت في ثلاث أو أربع مراحل خلال نحو شهر ونصف... والهدف توفير بيانات يومية ومستمرة تساعد المستهلك على معرفة سعر السلعة ومكان توافرها وكيفية الحصول عليها بالسعر المناسب.

"يا عبدالله، هذه في رقابنا"
خلف الأرقام والممرات والموانئ والتقنيات، يحتفظ المري بعبارة شخصية تختصر، بالنسبة إليه، معنى المسؤولية. يروي أنه تحدث إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عن أهمية أسعار السلع على رفوف المتاجر للمستهلكين، فجاءه الرد: "يا عبدالله، هذه في رقابنا".
لا ينسى الوزير هذه العبارة، لأنها تعبّر عن قرب القيادة من الناس، وعن حرصها على معيشة المواطنين والمقيمين وجودة حياتهم. وفيها أيضاً يعود الحوار إلى نقطة بدايته: جدول يُترك مفتوحاً في الأزمة، ووزير ينزل إلى الميدان، ومنصة تراقب الأسعار، وتشريعات تُكتب للمستقبل. إنها قصة اقتصاد واسع الطموح، مقياسه الأول والأخير أثره في رفاه الإنسان.
الأزمة تنتهي... لكن الدروس المستفادة تبقى
في موازاة معالجة الطارئ، كان فريق قانوني ينظر إلى ما بعده. طُلب منه ألا ينشغل بالتحدي التنفيذي الآني، بل أن يرصد ما كشفته الأزمة من ثغرات تشريعية، وأن يحوّل نتائج "اختبار الضغط" إلى قوانين وإجراءات ومشاريع. فالأزمات تنتهي، لكن الأهم هو الخروج منها بدروس واضحة قابلة للتنفيذ. ولهذا، بدأت مشروعات قيد الدراسة منذ اليوم الأول للأزمة، لا بعد انقضائها، بتوجيه من القيادة.
أثبتت هذه المرونة، إلى جانب تكامل العمل بين الجهات الاتحادية والمحلية، عمق الاقتصاد الإماراتي وقدرته على استيعاب الصدمات. فالنتيجة لا تُقاس بالشعارات، إنما تُقاس بما يظهر على الرفوف، وفي حركة التجارة، وأوضاع الشركات والسيولة، واستمرار النمو غير النفطي.
الأمن الغذائي خط أحمر
يضع الوزير المري الأمن الغذائي في قلب قصة الاستعداد الطويل: ما ظهر من وفرة في السلع واستقرار في الأسواق لم يكن استجابة مرتجلة، بل ثمرة خطط تراكمت على مدى خمسة عشر أو عشرين عاماً. وقد تعاملت القيادة مع الملف باعتباره شأناً استراتيجياً و"خطاً أحمر"، وأنشأت له آليات ومؤسسات ومسؤوليات واضحة.
ويمتد هذا التفكير، في حديثه، من الغذاء إلى الطاقة والبنية التحتية. ويستشهد بخط النفط الممتد من أبوظبي إلى الفجيرة بوصفه مثالاً على بناء بدائل تمنح الاقتصاد قدرة أكبر على الاستمرار والوصول إلى بحر العرب، بعيداً من الاعتماد على مسار واحد. ويشدّد على تجذر هذا الفكر الاستراتيجي المرسخ عبر السنين.
مواجهة تحدّي هرمز: موانئ وسكك وسماء تصنع عمقاً لوجستياً
حين يصل الحديث إلى مضيق هرمز، لا يقدم المري إجراءً منفرداً بوصفه جواباً، بل شبكة متكاملة من البنى التحتية بُنيت على مدى أكثر من خمسة عشر عاماً. تمتد هذه الشبكة من أبوظبي والفجيرة والشارقة إلى بحر العرب، وتجمع خطوط النفط والغاز والسكك الحديدية والموانئ والربط الجوي، إلى جانب مشاركة الإمارات في مشروع الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.
وفي قلب هذه المنظومة، تقف موانئ دبي العالمية ومجموعة موانئ أبوظبي، لتؤديا دوراً محورياً في إدارة الموانئ والأرصفة والخدمات اللوجستية البحرية والسككية. ويكتمل هذا العمق بأسطول النقل الجوي الوطني وشبكات طيران الإمارات والاتحاد للطيران. والغاية ليست النقل في ذاته، إنما بناء سلاسل إمداد متعددة المسارات، تمكّن الاقتصاد من مواجهة التقلبات العالمية.
ويلفت المري إلى أن جانباً مهماً من الاستثمارات الإماراتية الخارجية يتجه إلى البنية التحتية واللوجستيات، مستشهداً بمشروعات معلنة في العراق والأردن وسلطنة عُمان. فالربط اللوجستي شريان رئيسي لاقتصاد يريد مواصلة النمو في مختلف الظروف.
فلسفة الاقتصاد الجديد
يرسم الوزير المري التحول الاقتصادي بالأرقام: نمو غير نفطي تراوح في مراحل عدة بين 5 و6% خلال السنوات الست الماضية، وارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي من نحو 68% في بداية العقد إلى ما بين 76 و77% اليوم، مع هدف يتجاوز 80%. إن الاقتصاد الإماراتي مفتوح على المستثمرين ومتكامل مع حركة الاقتصاد العالمي، رغم توالي الجائحة والتضخم وارتفاع أسعار الفائدة والحروب والتوترات التجارية والجيوسياسية.
إلا أن بلوغ العتبة التالية، في نظره، لا يعني توسيع القطاعات القائمة فقط؛ فالأولوية لخلق "اقتصادات جديدة": نشاط ناشئ قد يتحول سريعاً إلى قطاع يوفر وظائف وفرصاً. ويضرب مثالاً بالخدمات اللوجستية؛ فبدلاً من نقل البضائع من نقطة إلى أخرى بالطريقة التقليدية، تفتح الطائرات المسيّرة الباب أمام "اقتصاد الارتفاعات المنخفضة"، وما يتطلبه من شركات ومناطق تشغيل وتشريعات جديدة.
الإمارات مختبر للتكنولوجيا والتشريع شريك في التجربة
يقدم الوزير الإمارات بوصفها "مختبراً للتكنولوجيا العالمية". فالشركات التي تريد اختبار تقنية أو توسيعها تجد في البلاد مجمعات ومناطق تجريبية من أبوظبي إلى الفجيرة. وإلى جانب الاختبار التقني، ثمة مختبر للتشريعات على المستوى الاتحادي يجمع المشرّع بصاحب التكنولوجيا، كي لا يصبح غياب القانون عائقاً أمام قطاع لم يكن موجوداً من قبل.
وتظهر هذه الفلسفة أيضاً في التحول إلى الذكاء الاصطناعي الوكيل، الذي أُعلن في عمق الأزمة. فلحظة الإعلان تكشف فلسفة القيادة التي لا تؤجل المستقبل إلى ما بعد انتهاء الأزمات. إن التحول يشمل تدريب الموظفين وتطوير طرق التفكير، ونقل الخدمات من استخدام أدوات ذكية إلى أنظمة وكيلة تنفذ المهمات وتتابعها، بالتوازي مع خفض البيروقراطية وتقليل الأوراق والإجراءات وتسهيل ممارسة الأعمال وحماية حقوق الملكية الفكرية والتجارية.
الصحة وجودة الحياة
لا يقف "الاقتصاد الجديد" عند عتبة التكنولوجيا واللوجستيات. ففي الصحة، يرى الوزير أن النموذج التقليدي القائم على المستشفيات والعيادات يمكن أن يتسع ليشمل السياحة الطبية وعيادات طول العمر والعافية الممتدة، مستشهداً بمؤسسات ومبادرات ظهرت في دبي في مجال "طول العمر"، بوصفها مثالاً على قدرة الحكومات المحلية على تحويل تطور صحي وعلمي إلى قطاع اقتصادي جديد يجذب الزوار والاستثمارات والخبرات.
هذا الربط بين الصحة والسياحة وجودة الحياة دليل على أن تنويع الاقتصاد لا يعني استبدال قطاع بآخر، بل إعادة تعريف القطاعات التقليدية وفتح مساحات جديدة بينها.