"حزب الله" يحاول الإيحاء أن غالبية الأحزاب ترفض الاتفاق الإطاري... لكن الوقائع تقول غير ذلك!

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

محمد عبدالله - كاتب وباحث سياسي

 

 

أثار الاتفاق الإطاري الذي وُقّع في واشنطن بين لبنان وإسرائيل موجة واسعة من النقاش الداخلي، إلا أن رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة شددا على أن ما تم التوصل إليه هو مذكرة تفاهم تشكل إطاراً عملياً للخروج من الأزمة، وتمثل أفضل الممكن في هذه المرحلة بما يحفظ مصالح لبنان واللبنانيين.

فالحديث لا يقتصر على انسحاب إسرائيلي تدريجي من الأراضي اللبنانية فحسب، بل يشمل أيضاً معالجة ملف الأسرى، وتأمين عودة النازحين إلى بلداتهم وقراهم، ووضع خريطة طريق لإعادة الإعمار، وإنعاش الاقتصاد اللبناني، إضافة إلى دعم الجيش اللبناني وتزويده الإمكانات التي تمكنه من بسط سيطرته على المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي، وذلك في حال التزم "حزب الله" حصر السلاح تحت سلطة الدولة والشرعية اللبنانية.

في المقابل، جاءت تصريحات رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف لتكشف جانباً آخر من المشهد، عندما دعا اللبنانيين إلى الالتزام باللجنة المنبثقة عن المفاوضات الأميركية–الإيرانية في سويسرا باعتبارها الأساس لمعالجة الملف اللبناني. ويعكس هذا الموقف إصرار طهران على إبقاء لبنان ضمن أوراق التفاوض مع واشنطن، وربط مستقبل الأزمة اللبنانية بمسار المفاوضات الإيرانية–الأميركية، بما يعني عملياً رفض تسليم سلاح "حزب الله" للجيش اللبناني، والاستمرار في استخدامه ورقة تفاوض إقليمية، وهو ما يتعارض مع توجهات رئيس الجمهورية ورغبة فئات واسعة من اللبنانيين.

وفي هذا السياق، برزت محاولة "حزب الله" عبر ما نشره النائب إبراهيم الموسوي على منصات التواصل الاجتماعي، الإيحاء أن المشهد السياسي اللبناني ينقسم بين أربعة أحزاب فقط تؤيد الاتفاق الإطاري، وهي "القوات اللبنانية"، والكتائب، والوطنيون الأحرار، و"الحوار الوطني" برئاسة النائب فؤاد مخزومي، في مقابل نحو عشرين حزباً يسارياً وإسلامياً واشتراكياً وشيوعياً يعارضونه، في لائحة أثارت الكثير من علامات الاستفهام، خصوصاً أن بعض هذه التنظيمات يكاد أن يكون غائباً عن الحياة السياسية.

كما تضمنت اللائحة حزب "لنا التغييري" برئاسة باسكال أبشي، رغم أن مواقفه المعلنة تؤكد تأييده حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، وتمثله في البرلمان النائبة حليمة قعقور. ويضاف إلى ذلك موقف رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل، الذي أعلن أن لديه ملاحظات وانتقادات حول آليات تنفيذ الاتفاق، لكنه في الوقت نفسه يؤيد خيار التفاوض مع إسرائيل وسيلة لإخراج لبنان من أزمته، ويؤيد أيضاً حصر السلاح.

أما الموقف الأبرز، فجاء من الرئيس السابق للحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط الذي أعلن رفضه المشاركة في أي حلف رباعي يهدف إلى مواجهة الاتفاق الإطاري، مع التحفظ عن بعض بنوده، وهو ما يؤكد أن المشهد السياسي أكثر تعقيداً من الصورة التي يحاول "حزب الله" تسويقها.

هذه المواقف، التي صدرت تباعاً بعد نشر تلك اللائحة، أضعفت إلى حد كبير الرواية التي تسعى إلى إظهار أن غالبية القوى السياسية اللبنانية تقف إلى جانب استمرار سلاح "حزب الله" خارج إطار الدولة.

لا شك في أن الاتفاق لا يخلو من ثغرات، ولا سيما منها ما يتعلق بالمهل الزمنية وآلية التنفيذ، إضافة إلى البند الثالث عشر المرتبط بمقاضاة إسرائيل. إلا أن رئيس الحكومة نواف سلام أوضح أن المقصود هو تعليق إجراءات التقاضي من الجانبين خلال مرحلة تنفيذ الاتفاق، وليس التنازل عن حق لبنان القانوني في ملاحقة إسرائيل مستقبلاً. ومن المهم التذكير بأن رئيس الحكومة نفسه كان من أوائل من طالبوا بمحاسبة حكومة بنيامين نتنياهو أمام المحاكم الدولية على جرائم الحرب كونه كان رئيساً لمحكمة العدل الدولية.

في نهاية المطاف، تبقى العقدة الأساسية مرتبطة بسؤال واحد: هل يلتزم "حزب الله" وضع سلاحه تحت مظلة الدولة اللبنانية؟ وفي المقابل، هل تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا فعلية على إسرائيل لتنفيذ التزاماتها؟ ولا يمكن تجاهل دلالة إرسال قائد القيادة المركزية الأميركية إلى لبنان، بما يعكس اهتماماً أميركياً بمتابعة تنفيذ الاتفاق.

الأيام المقبلة ستكون حاسمة، وستكشف ما إذا كانت المصلحة الوطنية اللبنانية ستتقدم على حسابات المحاور الإقليمية، بما يسمح باستعادة الدولة قرارها وسيادتها، أم أن لبنان سيبقى رهينة الصراعات الخارجية، بما يحمله ذلك من مخاطر الانزلاق مجدداً إلى دوامة العنف والفوضى، وربما إلى مواجهة تهدد السلم الأهلي والسيادة اللبنانية.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية