جنسية إسبانية للصحراويين.. ورد مغربي من سبتة يعيد رسم قواعد اللعبة
في خطوة تشريعية ذات أبعاد تتجاوز الإطار القانوني إلى الحقلين السياسي والتاريخي، أقر البرلمان الاسباني مقترح القانون رقم 122/000072 المنشور بالجريدة الرسمية للبرلمان عدد 7-84 بتاريخ 17 يوليوز 2026، والذي يمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين عندما كان الإقليم مستعمرة إسبانية ولأحفادهم، وذلك في لجنة العدل بمجلس النواب المنعقدة بصفة استثنائية شهر يوليوز الماضي، وفي النهاية، حصل النص على دعم أكبر بكثير مما كان متوقعا: 19 صوتا لصالح المقترح مقابل ثلاثة أصوات ضده من حزب فوكس، مع امتناع 15 عضوا من الحزب الشعبي عن التصويت. (إلباييس، ميغيل كونزاليس 23 يوليوز 2026).
ورغم هذه النتيجة، لم تخل جلسة التصويت من الإثارة، حيث قدمت المجموعة الاشتراكية – بتوجيه من وزارة الشؤون الخارجية – في وقت متأخر من مساء الأربعاء 22 يوليوز الماضي تعديلين لحذف الإشارات الواردة في ديباجة المقترح إلى “الشعب الصحراوي” واستبدالها بـ “السكان الصحراويين” أو “الصحراويين” فقط، وذلك بهدف عدم إزعاج المغرب. إلا أن هذا الإجراء أزعج حلفاءها البرلمانيين بدلا من ذلك، وفي جلسة التصويت تم رفض التعديل، حيث أصر الحلفاء من اليسار الراديكالي على تسمية “الشعب الصحراوي”، وبالخصوص التحالف ذي التوجه اليساري الراديكالي المكون من عدة أحزاب منها حزب بوديموس وحلفاءه الإقليميين في كتالونيا وغاليسيا (Unidas Podemos-En Comú Podem-Galicia en Común).
وسيسمح القانون لنحو 70.000 صحراوي كانوا يعيشون في المستعمرة الإسبانية السابقة بأن يصبحوا مواطنين إسبان، بالإضافة إلى أحفادهم من الدرجة الأولى، الذين سيمتلكون مهلة خمس سنوات من تاريخ تسجيل آبائهم في السجل المدني لاختيار الجنسية الإسبانية. ووفقا لتقديرات مروجي المبادرة، فإن هذا الإجراء قد يوسع نطاق المستفيدين المحتملين ليترواح بين 100.000 و200.000 شخص؛ حيث يقيم جزء كبير منهم في مخيمات تندوف جنوب الجزائر، ولكن أيضا في إقليم الصحراء الغربية تحت السيادة المغربية، وفي دول أخرى.
وتفتح هذه الخطوة نقاشا واسعا حول تداعياتها المحتملة، خاصة على مستوى النزاع الإقليمي القائم وموقف المغرب من سيادته على الإقليم. ويستند هذا المقترح إلى تصور يعتبر أن الصحراء الغربية كانت جزءا من الدولة الإسبانية، بل مقاطعة قائمة بذاتها، وأن سكانها كانوا يتمتعون بحقوق مدنية وسياسية واسعة، قبل أن تنسحب مدريد سنة 1976 دون أن تتاح، عمليا، لهؤلاء السكان فرصة حقيقية لاختيار جنسيتهم، رغم منحهم مهلة قانونية لذلك.
المقترح، في جوهره، يمنح الجنسية الإسبانية للصحراويين المولودين قبل تاريخ محدد، حتى في غياب الإقامة القانونية داخل إسبانيا، مع اعتماد مجموعة من الوثائق لإثبات هذا الانتماء، تشمل سجلات إدارية إسبانية سابقة ووثائق دولية، بما في ذلك لوائح الاستفتاء المرتبطة بالأمم المتحدة. كما يفتح الباب أمام استفادة الأبناء من هذا الحق خلال فترة زمنية لاحقة، ويُبسّط شروط الحصول على الجنسية عبر الإقامة لسنتين فقط، بما يعكس رغبة في إعادة بناء صلة قانونية مع هذه الفئة على أساس تاريخي خاص.
غير أن هذا الطابع “الإنساني والتاريخي” الذي يُقدَّم به المقترح لا يخفي أبعاده السياسية، إذ يرى مراقبون أن إعادة التأكيد على الصفة الإسبانية السابقة للإقليم قد تُضعف السردية المغربية التي تعتبر الصحراء جزءا من أراضيها التاريخية، خاصة وأن القانون يعامل الصحراويين كفئة قانونية متميزة عن باقي المواطنين المغاربة، ويصر على تسميتهم “الشعب الصحراوي”، وهو ما قد يُفهم على أنه تكريس ضمني لفكرة وجود كيان بشري منفصل، وهي نقطة حساسة في سياق نزاع يقوم في جوهره على مسألة تقرير المصير.
وأبعد من ذلك، يُحتمل أن يُفسر اعتماد وثائق أممية كمرجع لإثبات الهوية على أنه اعتراف ضمني باستمرار الطابع الدولي لقضية الصحراء باعتبارها ملف تصفية استعمار، وليس مجرد قضية وحدة ترابية محسومة، وهو ما قد يعزز مواقف أطراف دولية تدفع في اتجاه تسوية مختلفة عن الطرح المغربي. كما أن منح الجنسية لعدد من الصحراويين قد يخلق وضعا قانونيا معقدا، يجمع بين الانتماء لدولة أوروبية والإقامة في إقليم يخضع لسيادة دولة أخرى، بما قد يفتح الباب أمام مطالب حماية أو تدخلات سياسية مستقبلية.
هذه التدخلات تحيل مباشرة على تجربة سابقة في المغرب، إبان فترة الاستعمار، مع أولئك المغاربة الذين حصلوا على حماية قنصلية من دول أجنبية خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، وتمتعوا بالإعفاء من الضرائب وعدم الخضوع للقضاء المغربي، مما أضعف هيبة الدولة العلوية ومهد للاستعمار. (لمزيد من التوسع يمكن مطالعة كتاب “المحميون” للمؤرخ محمد كنبيب).
وفي السياق ذاته، يُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها وسيلة لإعادة تموضع إسبانيا في الملف، عبر بناء علاقة مباشرة مع سكان الإقليم، وهو ما قد يتحول إلى ورقة ضغط في ملفات أخرى ترتبط بالعلاقات الثنائية مع المغرب، مثل الهجرة أو التعاون الأمني. ورغم أن المقترح لا يتضمن أي اعتراف صريح بكيان سياسي مستقل في الصحراء، ولا يطعن بشكل مباشر في السيادة المغربية، إلا أن أثره الرمزي يظل قويا، إذ يعيد إحياء الذاكرة الاستعمارية ويؤكد استمرار الشعور بالمسؤولية التاريخية تجاه الإقليم وسكانه.
في المحصلة، يبدو أن هذا المقترح، وإن كان في ظاهره قانونيا ذا طابع إنساني، فإنه يحمل في طياته أبعادا سياسية عميقة وخطيرة، وقد يشكل، في حال اعتماده وتفعيله، عاملا إضافيا في تعقيد ملف الصحراء، ليس عبر تغيير مباشر في موازين السيادة، بل من خلال التأثير على السرديات القانونية والتاريخية التي يقوم عليها النزاع، وما يرافق ذلك من تداعيات على المستوى الدولي.
في ضوء كل ما سبق، لا يمكن قراءة هذا المقترح القانوني الإسباني بمعزل عن السياق السياسي الأوسع والتطورات الميدانية الأخيرة التي ترتبت عنه، ونحن نتابع مستجدات العلاقات بين الرباط ومدريد. فالأحداث التي شهدتها مدينة سبتة، حين سُمح لآلاف المغاربة بمحاولة الدخول إليها، لم تكن مجرد واقعة عابرة أو انفلات حدودي، بل تُفهم لدى عدد من المتابعين باعتبارها رسالة سياسية واضحة، أو ما يشبه “قرصة أذن” دبلوماسية، تعكس قدرة المغرب على الرد حين يشعر بأن مصالحه الاستراتيجية أو ثوابته الوطنية توضع موضع اختبار. في هذا الإطار، يبدو أن الرباط أرادت التذكير بأن العلاقة مع إسبانيا ليست أحادية الاتجاه، وأن المغرب ليس مجالا خلفيا يمكن التعامل معه بمرونة من طرف واحد، بل شريكا له أدواته وتأثيره.
هذا التداخل بين القانوني والسياسي يعكس طبيعة ملف الصحراء، الذي لا يُنظر إليه في المغرب كقضية عادية أو قابلة للمساومة، بل كقضية ذات طابع سيادي مقدس، تؤطر مجمل علاقاته الدولية. ومن هنا، فإن أي خطوة تُفهم على أنها تمس بهذه القضية، حتى وإن جاءت في صيغة قانونية أو إنسانية، قد تستدعي ردود فعل تتجاوز القنوات التقليدية. وفي هذا السياق، يمكن استعادة التصريح الذي أدلى به وزير الشؤون الخارجية والتعاون ناصر بوريطة لوسائل الإعلام، التي قال فيها قبل سنوات: “المغرب ليس شرطيا لأوروبا، ولا حارسا لبوابتها”، وهي التصريحات التي لا تزال تعكس العقيدة الدبلوماسية للمملكة حتى اليوم. وبالنسبة للرباط، فإن التعاون مع الشركاء يجب أن يكون تعاونا بين أطراف متكافئة، لا علاقة تبعية أو وصاية.
لا يحتاج الأمر إلى أكثر من العودة إلى كلمة الملك محمد السادس في ذكرى 20 غشت 2022، والتي حملت رسالة مباشرة ومطلقة الوضوح: “إن ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها المغرب إلى العالم، وهو المعيار الواضح والبسيط، الذي يقيس به صدق الصداقات، ونجاعة الشراكات”، ما يعني أن أية شراكة أو توتر أو تقارب، يمر أولا عبر هذه المعادلة.
من هذا المنظور، يمكن قراءة ما حدث كنوع من “قرصة الأذن” الدبلوماسية، تعكس امتعاض الرباط من مواقف وتحركات إسبانية تُعتبر غير منسجمة مع المصالح العليا للمغرب، خصوصا في ما يتعلق بملف الصحراء. فالهجرة غير النظامية تُعد من أبرز أوراق الضغط التي يمتلكها المغرب بحكم موقعه الجغرافي، وإظهار القدرة على “تخفيف القبضة” في هذا المجال يحمل رسالة واضحة: الاستقرار الحدودي والتعاون الأمني لهما ثمن سياسي.
ورغم كون هذا الأسلوب محفوفا بمخاطر على مستوى صورة المغرب الدولية، كشريك موثوق في قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب، غير أن هذا الضرر يظل، في حسابات الدولة، محدودا ومؤقتا مقارنة بما تعتبره رهانات سيادية كبرى، تتطلب أحيانا اتخاد ردود فعل بأشكال غير تقليدية.
وعليه، فإن ما يبدو للبعض مخاطرة بصورة المغرب، يمكن أن يُفهم في منطق الدولة كجزء من توازن دقيق بين الحفاظ على الشراكات الدولية، وبين التأكيد الصارم على أن المغرب ليس طرفا يمكن التعامل معه كـ”حديقة خلفية”، بل كفاعل إقليمي يدافع عن مصالحه الاستراتيجية بكل الوسائل المتاحة.