توسعة كأس العالم... حين كبرت البطولة الأغلى وتقلصت عدالتها

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

مع انطلاق الجولة الثالثة والحاسمة من دور المجموعات لنهائيات كأس العالم 2026 في دول أميركا الشمالية الثلاث، يتواتر الحديث بقوة عن جدوى توسعة البطولة بمشاركة 48 منتخباً، وعن القوانين الحديثة التي تحكم نظام التأهل الى الأدوار الإقصائية.

حجة توسعة البطولة جاهزة ومقنعة، وهي أن المزيد من المنتخبات يعني المزيد من الشعوب الممثلة والأحلام والقصص، لهذا بدا قرار رفع عدد المنتخبات المشاركة إلى 48 بمنزلة خطوة طبيعية في زمن أصبحت فيه اللعبة صناعة عالمية تتجاوز حدود أوروبا وأميركا الجنوبية. لكن الكثير من المحلّلين يرون أن البطولة أصبحت أكبر على حساب جوهرها التنافسي.

المشهد الذي يتكرر في النسخة الحالية لم يكن مألوفاً في نسخ سابقة؛ منتخبات ضمنت التأهل بعد مباراتين، وأخرى حسمت الصدارة مبكراً، وبعضها عرف أنه خارج البطولة قبل أن يخوض مباراته الأخيرة، وبين هؤلاء جميعاً تقف منتخبات أخرى لا تعرف إن كانت تحتاج إلى الفوز أو التعادل أو حتى تجنب خسارة ثقيلة، لأنها ببساطة لا تعرف بعد ما الذي ستفعله المنتخبات التي ستلعب بعدها بيوم أو يومين أو ثلاثة.

المسألة ليست في اعتماد المواجهات المباشرة كمعيار أول لكسر التعادل، ولا في تأهل أفضل أصحاب المركز الثالث، بل في شكل البطولة الجديد الذي خلق واقعاً تصبح فيه بعض المنتخبات أكثر معرفة من غيرها، وبعضها أكثر راحة من غيرها، وبعضها أكثر استفادة من التوقيت والجدولة من غيرها.

وحين خرج مدرب المكسيك خافيير أغيري، بعد ضمان صدارة مجموعته، ليؤكد أن فريقه حقق هدفه الأساسي مبكراً، وأن الحديث بات يدور حول إدارة المرحلة المقبلة لا مجرد التأهل، كان ذلك انعكاساً طبيعياً لواقع جديد في البطولة، إذ يسمح لبعض المنتخبات بالتفكير في الدور التالي قبل أن ينتهي الدور الحالي أصلاً.

 

منتخب المكسيك ضمن صدارة مجموعته بعد مباراتين فقط. (وكالات)

 

 

لقد بُنيت عظمة كأس العالم تاريخياً على فكرة بسيطة للغاية، وهي أن لا مكان للراحة، حيث كان دور المجموعات ساحة نجاة لا ساحة تنظيم للطريق نحو الأدوار الإقصائية؛ ولطالما دُمغت الثالثة بأنها لحظة رعب جماعي، حيث الجماهير تحسب الأهداف، والمدربون يراقبون نتائج الملاعب الأخرى، ولاعبون يعرفون أن خطأ واحداً قد ينهي رحلة استمرت أربع سنوات كاملة من أجل الوصول إلى هذه اللحظة.

المفارقة أن الاتحاد الدولي الـ"فيفا"، عندما قرّر اعتماد المواجهات المباشرة، قبل فارق الأهداف، كان يسعى، بحسب المبررات الرسمية، إلى منح قيمة أكبر للمواجهة بين المنافسين المباشرين بدلاً من جعل مصير الفرق مرتبطاً بنتائج كبيرة ضد المنتخبات الأضعف.

ولعل أكثر ما يثير الانتباه أن الانتقادات لم تعد تقتصر على الإعلام أو الجماهير؛ فمع نهاية الجولة الثانية بدأ الحديث يتوسع حول ما وصفه بعض المعلقين والكتاب بـ"مهزلة المركز الثالث"، حيث أصبحت بعض المنتخبات تنتظر لأيام لمعرفة مصيرها بينما تستفيد أخرى من معرفة الصورة كاملة قبل أن تخوض مباراتها الأخيرة.

والأخطر من ذلك أن الدراسات الأكاديمية التي تناولت أنظمة البطولات قبل سنوات، كانت قد حذّرت أصلاً من أن الاعتماد على المواجهات المباشرة كمعيار أساسي قد يرفع من احتمالات الوصول إلى سيناريوهات تخدم فيها نتيجة معينة طرفين على حساب طرف ثالث، وهو الخطر الذي سعت كرة القدم إلى محاربته منذ فضيحة خيخون الشهيرة عام 1982، وربما هنا تكمن المفارقة الأكبر في مونديال 2026.

كل خطوة نحو التوسع جاءت مصحوبة بتعقيد إضافي في بنية المنافسة، وكل محاولة لإشراك عدد أكبر من المنتخبات فرضت استثناءات وحسابات ومسارات لم تكن موجودة من قبل.

 

 

ربما سيخرج الـ "فيفا" من هذه التجربة بأرقام قياسية جديدة في الحضور والمشاهدة والعائدات، لكن الأرقام لا تروي القصة كاملة، فبطولات كأس العالم تُقاس بعدد المباريات التي تجعل الجميع يشعر بأن لا شيء مضمون حتى صفّارة النهاية. وبعد أن كبرت البطولة إلى هذا الحد، سيكون الفيفا أمام اختبار جدوى التوسعة، وهل هي على حساب جزء من الروح التي جعلت البطولة أعظم حدث كروي على وجه الأرض؟

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية