تفجير جرمانا بين "أنصار الرسول" وإسرائيل: من يقف خلف الفتنة؟
عادت جرمانا إلى قلب المشهد السوري، بعد انفجار عبوة ناسفة داخل حافلة نقل في أحد الشوارع المكتظة في المنطقة. الاستهداف الدموي خلف 14 جريحاً، من دون وقوع ضحايا وفق ما أكّدت معلومات "النهار"، عكس ما نقل بعض التقارير الإخبارية. التفجير يحمل في طياته أبعاداً أكثر من كونه عملاً تخريبياً هدفه إيقاع ضحايا، بل ضمنه رسائل سياسية خطيرة واحتمالات مفتوحة.
الساحة الدرزية في سوريا بالغة الحساسية. حوادث السويداء ومعها شمال شرق سوريا والساحل كادت أن تمهّد لتقسيم سوريا، وعلاقات الشيخ حكمت الهجري العلنية مع إسرائيل عامل توتر في الجنوب السوري. جرمانا، التي تعكس نسيجاً سورياً واسعاً ويقطنها دروز وسنّة ومسيحيون وعلويون، اختارت فاعلياتها السياسية والاجتماعية التوافق مع دمشق، وجرى عقد تفاهمات مع السلطات السورية والوضع مستقر.
انطلاقاً من هذا الواقع المعقّد والنسيج الديموغرافي، تحوّلت جرمانا إلى ساحة تبادل رسائل سياسية بقوّة النار. تنظيم متطرف يطلق على نفسه اسم "منبر أنصار الرسول" تبنّى العملية، وهو جماعة حديثة الإعلان في سوريا، بدأ نشاطها بالظهور قبل أقل من شهر، ما أثار شبهات حول حقيقة من يقف خلف هذه المجموعة. ولمعرفة حقيقة ما حصل وهوية الفاعل، وجب التدقيق بالمستفيدين مما حصل.
بيان سبق الانفجار!
"النهار" تواصلت مع مصادر متابعة لمجريات تفجير جرمانا. المصادر تلقي الضوء على بيان أصدره مشايخ وأهالي مدينة جرمانا واهاليها الخميس، قبل ساعات من الانفجار، وشددوا فيه على "الروابط الجغرافية والوطنية الراسخة"، ومعتبرين أن "دمشق هي القبلة الأساسية للمدينة وعمقها الغوطة الشرقية". وأشار البيان أيضاً إلى أن العلاقات مع الجوار "خط أحمر" لا يُسمح بالمساس به تحت أي ظرف.
كذلك تضمن دعوة "صريحة للسلطات والمؤسسات الحكومية الى تفعيل دورها الكامل داخل المدينة، وملاحقة مروجي خطاب الكراهية والتحريض الطائفي، مع الامتثال لسيادة القانون وتحقيق العدالة من دون تمييز". هذا البيان كان إعلاناً سياسياً واضحاً بأن فاعليات جرمانا الدرزية اختارت الهوية السورية والعلاقة مع دمشق، ورفضت المشاريع الانفصالية والجنوح نحو إسرائيل.
ما علاقة إسرائيل؟
المصادر تربط بين البيان والتفجير وتعتبر أن ما حصل كان رداً على الموقف السياسي. وتستطرد في هذا السياق لتقول إن المتضرر المفترض من هذا الموقف هو إسرائيل، التي تريد "الاستثمار" في الدروز لمواجهة السلطات السورية والضغط عليها للدفع نحو التسوية التي تريدها. وتعتبر المصادر أن تبني تنظيم متشدد للعملية هدفه "إثارة الفتنة" بين الدروز والسنّة.
وتلفت إلى التنظيم الغريب الذي لم يظهر إلّا قبل ثلاثة أسابيع، ويحمل خطاباً دينياً متطرفاً، لتؤكّد فرضيتها القائلة أن جهات أخرى تقف خلف تسمية التنظيم، وتريد الاستثمار بالفتنة، وبترجيح المصادر نفسها، فإن الجهات هي إسرائيل. كما تشير إلى بيان وزارة الداخلية الذي صدر بعد الانفجار، ويشير صراحةً إلى أن الهجوم حصل بعد مواقف مشايخ جرمانا "الوطنية المؤكدة التمسّك بالدولة".
الناشط السياسي والمدني في جرمانا ربيع منذر يتحدّث الى "النهار" عن الهوية المفترضة، ويقول المستفيدين كثر، ويعدد أبرزهم: إسرائيل والتنظيمات الراديكالية. ويربط أيضاً بين الموقف السياسي في جرمانا والتفجير، ويعود إلى سردية إسرائيل التي تقوم على "حماية الدروز"، ليشير إلى احتمال وقوفها خلف التفجير لتأكيد التهديد ضدهم وبالتالي سرديتها.
تهدئة أم فتنة؟
الهدف من تفجير جرمانا إحداث فتنة بين الدروز والسنة، وهذا صار مشهداً واضحاً، لتكرار ما حصل في السويداء. منذر يقول إن الفاعل يريد زعزعة الاستقرار، لكن النتيجة لم تحقق الهدف، لأن الموقف السياسي في جرمانا صار "أكثر إصراراً" على التنسيق مع دمشق والسلطات السورية وفق ما ينقل الى "النهار"، وفي المقابل كانت مواقف المجتمع السني في الغوطة ودير الزور المستنكرة والرافضة للفتنة عامل ارتياح وتهدئة.
وبالعودة إلى البيان الأول الذي صدر عن مشايخ جرمانا الدرزية وفاعلياتها، وحينما سألت "النهار" المصادر عن أسباب صدوره والتوقيت، كان الجواب أن عدداً من أهالي السويداء النازحين في جرمانا رفعوا خلال إحياء ذكرى حوادث تمّوز شعارات ضد السلطات السورية، ما أثار حفيظة أهالي جرمانا ودفعهم الى الرد وإصدار بيان يحمل موقفاً سياسياً واضحاً يمنع أي "صبغٍ مشبوه" لمواقف المنطقة السياسية.
في المحصلة، فإن الساحة الدرزية عادت لتكون محور الحدث في سوريا. المستثمرون في هذه الساحة والفتنة التي قد تحصل بين الدروز والسنة في حال نجحت المشاريع كثر، وفي مقدمهم إسرائيل والتنظيمات الراديكالية المتطرفة في سوريا. حتى الحين، نجحت السلطات في دمشق والفاعليات في جرمانا بتحييد المحافظة عن الدماء، لكن القلق مما قد يتطور مستقبلاً.
