ترخيص "الباتريوت"... الناتو أصبح بحاجة إلى أوكرانيا أيضاً

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

"توجَّبَ طلبُ مساعدة من الذكاء الاصطناعيّ. لكن عندها سيتعيّن الاستغناء عن المئات من الوظائف ذات الأجور الجيّدة في الناتو والدول الأعضاء".

 

كان هذا تعليق مدير "المعهد البولنديّ للشؤون الدوليّة" سلافومير ديبسكي على بيان قمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) في ليتوانيا سنة 2023، بشأن مستقبل أوكرانيا. حينها، خلا البيان من تقديم "خطة عمل العضوية" التي تُمنح للراغبين بالانضمام إلى الحلف، واكتفى بالعبارات الفضفاضة عن أن مستقبل أوكرانيا "أطلسي". كان ذلك "فشلاً فكرياً وعجزاً سياسياً ولغوياً" بحسب ديبسكي.

 

توتّر الجو في قمة ليتوانيا إلى درجة أنّ مسؤولين في إدارة الرئيس السابق جو بايدن طالبوا الأوكرانيين بإظهار بعض الامتنان. ساد الهدوء لاحقاً، ولو على مضض. بعد ثلاثة أعوام، انقلبت الأجواء تماماً. فالنبأ الإيجابي جاء هذه المرة من الرئيس دونالد ترامب. في قمة تركيا، وخلال مؤتمر على هامش أعمالها مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وافق ترامب على منح أوكرانيا ترخيص صناعة صواريخ "باتريوت" الدفاعية.

 

بين أوكرانيا وترامب... المفاجأة

 

اللافت في تصريح ترامب إشارته إلى أنّ أوكرانيا لن تواجه صعوبات في التصنيع، فقال: "أعتقد أنهم قادرون على تصنيعها بسرعة كبيرة". وأوضح أنه لم يُخطر الشركة المصنّعة للصواريخ "لوكهيد مارتن" بالقرار، لكن الأمر "سيسير بشكل جيد".

 

 

طائرة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تغط في أنقرة استعداداً لحضور قمة الناتو، 6تموز/يوليو 2025. (أ ب)

 

 

 

للمرة الأولى، تحدث ترامب عن تطوير علاقة "جيدة جداً" مع زيلينسكي، علماً أنّ هذا التوصيف خصّصه سابقاً لوصف علاقته مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. في الوقت نفسه، كان الأوروبيون عادة هم من يحاولون تقريب المسافة بين واشنطن وكييف. حدث التقارب الأميركي هذا الأسبوع مع الأوكرانيين وسط انتقاد ترامب للأوروبيين. 

 

ربما سرّع ترامب قرار منح الترخيص للأوكرانيين بعد الحرب على إيران التي استنزفت نحو نصف الترسانة الأميركية من تلك الصواريخ. تستطيع واشنطن تصنيع نحو 600 صاروخ "باتريوت" سنوياً فقط.

 

 

منظومة دفاع باتريوت الأميركية. (أ ب)

 

 

 

بطبيعة الحال، لن تكون عملية التصنيع سهلة. بحسب تقرير أوكراني (آر بي سي)، من المرجح أن يُنتج الأوكرانيون الصواريخ الاعتراضية لا الرادارات ومنصات الإطلاق. مع ذلك، قد يستغرق الأمر نحو ثلاثة أعوام لبناء المصانع ثم إنتاج الصواريخ، وهذا في سيناريو متفائل.

 

لكن التطور المفصلي لا يكمن في سرعة الحصول على نتائج دفاعية ملموسة بل في حجم انقلاب وضع أوكرانيا الجيوسياسي الذي سمح بحدوث هذه المفاجأة في المقام الأول. فبعدما كانت البلاد عبئاً أو مجرد منطقة عازلة عن روسيا بالنسبة إلى بعض الغربيين على الأقل، أصبحت أوكرانيا سنداً عسكرياً للأوروبيين والأميركيين في بعض المجالات. بعبارة أخرى، لم تعد أوكرانيا بحاجة إلى استجداء عضوية الناتو. يعود الأمر بالدرجة الأولى إلى انخفاض سقف التوقعات الأوكرانية بعد الإحباط المتكرر من قمم الناتو منذ سنة 2008 على الأقل، لكنه يرتبط أيضاً بإثبات تطور قوتها العسكرية.

 

أوكرانيا كنقطة ارتكاز للناتو

 

في حديث إلى "فورين بوليسي"، قالت السفيرة الأوكرانية إلى الولايات المتحدة أولغا ستيفانيشفانا إن الدفاع الجماعيّ للناتو "لم يعد ممكناً من دون أوكرانيا". في نواحٍ عدة، يبدو التقييم واقعياً. المسيّرات نقطة قوة أوكرانيا الأكثر شهرة. ترامب نفسه قال خلال المؤتمر مع زيلينسكي إن الولايات المتحدة ستشتري مسيّرات من الأوكرانيين، حيث أنّ "بإمكانهم صنع الكثير منها، وهو أمر مذهل بشكل لافت".

 

الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال قمة الناتو في تركيا. (أ ب)

 

 

 

لكنها ليست قوتها الوحيدة. استطاعت أوكرانيا الابتكار في مجال الإنذارات المبكرة، فطوّرت نظام "حصن السماء"، وهو عبارة عن شبكة من نحو 14 ألف جهاز استشعار صوتيّ لتحديد مواقع المسيّرات الروسية على ارتفاعات لا يستطيع الرادار رؤيتها. وتُدخل أوكرانيا تعديلات على برمجيّاتها العسكرية في غضون كلّ أسبوعين تقريباً، مما يبقيها في حالة من التنافس الميداني المستمر مع روسيا، بالرغم من أن الأرقام الخام تصبّ في مصلحة الأخيرة.

 

باختصار، لا يستطيع الناتو الاستعداد لخوض حروب المستقبل بدون الاستفادة من خبرة أوكرانيا والتعاون معها. ومشروع تطوير صواريخ دفاعية فائقة التطور مثل "باتريوت" يُكسب كييف المزيد من الخبرات في هذا القطاع، خصوصاً أنها بدأت أساساً تطوير صواريخ هجومية (فلامينغو) على نطاق واسع.

 

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في قمة الناتو. (أ ب)

 

 

لهذه الأسباب وسواها، لم تعد أوكرانيا تشتكي لأنها غير مرحّب بها في الحلف، مع انعقاد كل قمة. ليس أنها لا تتمنّى حصول الأمر أو أنها بغنى عن دعم الناتو عسكرياً، بل لأن العضوية نفسها لم تعد تقدّم حماية إضافية استثنائية لأوكرانيا بعد الحرب وتطوراتها. ربما، بفضل ثقتها بنفسها بعد الصمود والتطور، تتوقع أوكرانيا أن تكون أقوى بكثير من أن يبقيها الناتو خارج صفوفه حين ينتهي النزاع، ومع مجيء إدارة أميركية أكثر تفهماً.

 

لكن حالياً على الأقل، لم يعد القادة في الناتو بحاجة إلى الذكاء الاصطناعي لصياغة بيانات فضفاضة وإشكالية.

 

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية