تحوّلات خطاب ترامب تجاه إيران
لم يكن إسقاط إيران طائرة الأباتشي الأميركية في مضيق هرمز حدثاً عرضياً من حوادث الحرب. الطائرة رمز لعظمة أميركا ولإسقاطها دلالات كبيرة، ولذلك كان لا بد من الرد الذي له رمزيته أيضا لإثبات قوة الردع الأميركية وعدم تساهلها إزاء أي تعرض لقواتها. تخلى ترامب عن خطاب الصبر على ما وصفه بمماطلة إيران في الرد على مقترحاته لوقف الحرب في الخليج. ما كان أمامه خيار آخر غير ضرب إيران بقوة لرد الاعتبار لهيبته وهيبة جيشه. لكن فيما كان الرئيس الأميركي يضرب كان يحرص على إبقاء الباب مفتوحاً للحل السلمي للنزاع متأرجحاً بين التهديد وإبداء التفاؤل بقرب التوصل إلى تسوية.
من المؤكد أن ترامب يكره إيران، على العموم هو يكره ثلاثة أرباع الكرة الأرضية بمن فيها الديموقراطيون الأميركيون، وهو يعلم أن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية يكرهون أميركا، خصوصاً إيران التي تصفها بـ "الشيطان الأكبر". هذا الكره المتبادل بين أميركا وإيران له أسبابه العقائدية والاقتصادية والسياسية ويرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتوسعات الدولية والإقليمية وبالهيمنة على مصادر الطاقة وطرق التجارة الدولية وصعود الصين وحرب أوكرانيا وأمن إسرائيل.
منذ ولايته الأولى عام 2017 اعتمد ترامب خطاباً متشدداً جداً تجاه إيران التي اعتبرها تهديداً لأمن الشرق الأوسط، وخصوصاً لأمن إسرائيل، وحتى لوجودها. خطاب لم يخف الأهداف الأبعد من ذلك لجهة صراع غرب -شرق وأميركا – الصين الصاعدة قوة اقتصادية هائلة ومنافسة وتكنولوجية مدنية وعسكرية متطورة، وموقع النفط والغاز الغنية بهما المنطقة، في هذا الصراع.
وشكّل الملف الإيراني أحد أكثر الملفات حضوراً في الخطاب السياسي لترامب في ولايتيه وقد تراوحت مواقفه تجاه إيران بين التهديد العسكري، والعقوبات الاقتصادية، والدعوة إلى التفاوض، وصولاً إلى خطاب الحرب ثم الحديث عن التسوية السياسية.
أمسك ترامب بورقة الاتفاق النووي الذي وقعه سلفه باراك أوباما مع إيران عام 2015 باعتباره "اتفاقاً سيئاً" لينسحب منه في أيار/ مايو عام 2018 من طرف واحد. وارتفعت حدة لهجته بعد ذلك من إيران معتبراً أن النظام الإيراني هو الراعي الأول للإرهاب في العالم وأن بلاده لن تكون رهينة للابتزاز النووي الإيراني.
خلال ولايته الأولى ركز خطاب ترامب على تصوير إيران كتهديد رئيس للاستقرار الاقليمي مروجاً لسياسة "الضغط الأقصى" عبر العقوبات الاقتصادية، إلا أن التطور الأخطر كان اغتيال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري قاسم سليماني الذي كان يعتبر إلى حد كبير الرجل الثاني في النظام. يومها كتب ترامب:" كان ينبغي التخلص من سليماني منذ سنوات طويلة" .
خطاب الحرب
من خطاب التصعيد الكلامي والعقوبات والتهديد تحول خطاب ترامب في ولايته الثانية إلى خطاب حربي متشدد ومتفاخر، خطاب مليء بعبارات القتل والقصف والتدمير والنصر على "العدو" وسحق قواته الجوية والبحرية وتدمير منشآته النووية والعسكرية. كان خطاباً موجهاً إلى الداخل الأميركي وإلى الإيرانيين. لقد وعد مواطنيه باستعادة هيبة أميركا وعظمتها ولا بد من إثبات ذلك في حقل تجارب ما. أخفى ترامب الكثير من الوقائع وقلل من حجم الخسائر وسعى دائما إلى إظهار عظمة السلاح الاميركي وقوته الهائلة. وخلال الأسابيع الأولى للحرب استخدم ترامب لغة انتصار واضحة "لقد هزمنا العدو"، ومهدداً: "إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريباً فسنقوم بتدمير منشآت الكهرباء وآبار النفط الإيرانية". وهكذا اتسم خطابه في هذه المرحلة باستخدام لغة النصر والحسم العسكري والتركيز على قتل القادة وتدمير القدرات الإيرانية والتهديد المتكرر بعواقب أشد، وتصوير إيران باعتبارها الطرف الخاسر في المواجهة.
خطاب التفاوض
لكن ترامب المندفع إلى الأمام يعرف أيضاً كيف يتراجع ويغير لهجته حتى في التصريح الواحد فيمزج بين التهديد بالعودة إلى الحرب واستهداف منشآت الطاقة والكهرباء وبين الاستعداد لتفاوض، وحتى تقديم التنازلات من أجل التفاوض. فمع امتداد الصراع وارتفاع كلفته السياسية والاقتصادية وتذمر العالم من تداعياته الهائلة، بدأ خطاب ترامب يتغير تدريجياً. وبدأ يتحدث عن إمكان التوصل إلى اتفاق "تاريخي" ينهي الأزمة ويؤدي إلى تفاهمات أوسع في المنطقة. لتتحول إيران من تهديد يجب ردعه إلى خصم يمكن إجباره على التفاوض ثم إلى شريك محتمل في اتفاق جديد.
فمواقف ترامب الأخيرة، لا سيما ضغطه على رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لوقف الغارات على إيران، تشير إلى أنه لا يرى أن التصعيد العسكري المفتوح مع إيران يخدم المصالح الأميركية في هذه المرحلة، بل يعتبر أن أي حرب إقليمية واسعة قد تقوض الجهود التي تبذلها واشنطن للوصول إلى تفاهمات سياسية وأمنية مع طهران.
وترامب، رجل الصفقات، يرى بحسب تحليل خطابه، أن الوصول إلى تفاهم مع إيران يحقق مكاسب سياسية واستراتيجية أكبر من الانخراط في مواجهة قد تستنزف الولايات المتحدة وحلفاءها. ومما لا يقوله ترامب أنه يتخوف من حرب إقليمية شاملة قد تمتد إلى لبنان والعراق واليمن والخليج، وهو ما يهدد المصالح الأميركية وأسواق الطاقة العالمية. كما لا يهمل العامل الداخلي عشية الانتخابات النصفية للكونغرس باعتبار أن جزءاً مهماً من قاعدته السياسية يفضّل تقليل الانخراط العسكري الأميركي في الشرق الأوسط ويرفض الحروب الخارجية المكلفة.
رغم البساطة اللغوية والعفوية الظاهرة والرسائل المباشرة لخطاب ترامب، فإنه يختزن الكثير من ملامح شخصية صاحبه المتذبذبة الميالة إلى التمايز والتعالي وعدم الثبات، وربما عدم الثقة بالنفس.