تحركات دبلوماسية إيرانية بين التهدئة والتكتيك: قراءة في مسار الاتصالات وملف هرمز!
محمد عبدالله - باحث سياسي
تشير المعطيات السياسية الأخيرة إلى أن طهران دخلت مرحلة من الحراك الديبلوماسي المكثف، في محاولة لإعادة ضبط إيقاع المواجهة مع الولايات المتحدة وحلفائها، وتفادي الانزلاق نحو تصعيد واسع في منطقة شديدة الحساسية.
وفي هذا السياق، تبرز سلسلة الاتصالات التي يقودها وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع أطراف إقليمية ودولية، بينها سلطنة عُمان وباكستان وروسيا، كجزء من استراتيجية متعددة المسار تهدف إلى تحقيق تهدئة مرحلية من دون تقديم تنازلاتٍ جوهرية.
وفي قراءة تحليلية، تعكس هذه التحركات توسعاً ملحوظاً في الاتصالات الإيرانية بهدف تحقيق قدر من الاستقرار في الشرق الأوسط، خصوصاً عبر تفعيل قنوات الوساطة غير المباشرة. ويبرز هنا الدور الباكستاني كوسيط "هادئ"، ينقل الرسائل بين طهران وواشنطن، بما يسمح للطرفين بالحفاظ على هامش مناورة سياسي بعيداً من الضغوط العلنية.
في قلب هذه الجهود، يبرز ملف وقف النار أولويةً آنية. فبحسب الطرح الإيراني الذي نُقل عبر الوسيط الباكستاني، تسعى طهران إلى تثبيت التهدئة مع الجانب الأميركي والإسرائيلي، في مقابل مجموعةٍ من المطالب المتداخلة، تشمل رفع الحصار البحري وفتح مضيق هرمز، إلى جانب إعادة فتح النقاش في الملف النووي. ويُعد مضيق هرمز ورقة استراتيجية حساسة، إذ يمثل شرياناً حيوياً للتجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ما يجعل إغلاقه عامل ضغط دولياً بالغ التأثير.
أما على صعيد الملف النووي، فيبقى "اليورانيوم المخصب" نقطة التوتر الأكثر حساسية. وقد أثار المقترح المتعلق بإمكان نقل جزءٍ من هذا اليورانيوم إلى روسيا جدلاً واسعاً، إذ يراه البعض خطوةً محتملة لبناء الثقة وتخفيف المخاوف الدولية، فيما تعتبره واشنطن طرحاً غير كافٍ، وقد قوبل برفضٍ أولي يطرح تساؤلات حول مستقبل هذا المسار؟
في هذا الإطار، يبرز الدور الروسي كعامل معقد في المشهد. فاللقاءات التي جمعت بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي تحمل أبعاداً تتجاوز الملف النووي، إذ تسعى موسكو إلى توظيف هذه العلاقة لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي، وربما استخدامها ورقة تفاوض في سياقاتٍ أوسع مع الغرب.
هنا لابد من الإشارة أيضاً إلى مسألة بالغة الاهمية، تتصل بهيكيلة اتخاذ القرار في ايران .البعض يشير الى صراع خفيّ بين الديبلوماسية الايرانية المتمثلة بهيكلية الدولة المدنية، الرئيس بزشكيان، والوزير عراقجي ورئيس البرلمان الايراني محمد باقر قاليباف من جهة، وبين الحرس الثوري الايراني بقيادة أحمد وحيدي وقيادات مثل قائد القوات الجوية مجيد موسوي وغيرهما من جهة أخرى.
فهل هناك انقسام ايراني في ظل الغموض الذي يظلّل واقع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، ومسألة اختفائه وعدم ظهوره، ما يثير الكثير من التساؤلات حول من يتخذ القرار في إيران حالياً، أم أن الأمر لا يعدو كونه توزيع أدوار؟
غير أن مسالة تحييد رئيس البرلمان قاليباف في المقابل تطرح علامات استفهام كبرى، وخصوصاً أنه يجمع بين الديبلوماسية الايرانية المدنية، و كونه من خلفيةٍ قيادية ثورية في الحرس الثوري الايراني، ومن مؤسسي "فيلق القدس" الذي يشرف على وكلاء إيران في المنطقة: "أنصار الله" الحوثيون في اليمن، الحشد الشعبي في العراق و"حزب الله" في لبنان .
وسط ذلك تبدو الولايات المتحدة، في حالة تردد بين خيارين: إما تخفيف لهجة التصعيد لإتاحة المجال أمام الحلول الديبلوماسية، وإما العودة إلى سياسة الضغط والتهديد في حال تعثر المفاوضات. هذا التذبذب يعكس غياب رؤية حاسمة، ويشير إلى أن واشنطن لا تزال تختبر حدود السلوك الإيراني وقدرته على المناورة.
في المحصلة، لا يبدو أن المشهد يتجه نحو تسويةٍ شاملة في المدى القريب، بل نحو إدارة أزمة طويلة الأمد تقوم على التهدئة الموقتة في مقابل تنازلات جزئية.
إيران تسعى إلى كسب الوقت وتثبيت موقعها الإقليمي، فيما تحاول الولايات المتحدة احتواء التصعيد من دون الانخراط في مواجهة مباشرة. وبين هذين المسارين، يبقى مضيق هرمز والملف النووي عنوانين رئيسيين لصراعٍ مفتوح على كل الاحتمالات.