بين المنبر والمواطنة
بين المنبر والمواطنة: حين يصبح السؤال «تشويشاً» على الوطن؟
ليست خطبة الجمعة كلاماً عابراً يُقال فوق منبر ثم ينتهي بانتهاء الصلاة. فالمنبر، حين يتحدث عن الوطن والحرية والتغيير وحدود ما يجوز للمواطن أن يقوله أو يفعله، لا يخاطب ضمائر المصلين فحسب، بل يساهم أيضاً في تشكيل وعيهم بالمواطنة، وبالحقوق والحريات، وبالعلاقة بين المواطن والدولة، بل وبمعنى أن يكون الإنسان مواطناً صالحاً.
من هنا، يصعب المرور مرور الكرام على العبارة التي وردت في خطبة الجمعة ليوم 7 غشت 2026، الموافق ل 23 صفر 1448هـ، والتي ورد فيها:
“لا يجوز التشويش على الأمن النفسي والروحي والفكري للوطن بدعوى حرية التعبير، أو بدعوى التغيير نحو الأفضل، ما لم يكن ذلك وفق ما أجمعت عليه الأمة”.
قد تبدو العبارة، للوهلة الأولى، دعوة إلى الاستقرار ونبذ الفتنة والتحذير من الفوضى والتحريض، وهي مقاصد مشروعة لا يجادل عاقل في ضرورتها، لكن المشكلة لا تكمن دائماً في المقاصد المعلنة، بل قد تكمن في المفاهيم التي تُستخدم للوصول إليها، وفي الحدود التي يمكن أن تتمدد إليها تأويلاتها.
متى تصبح حرية التعبير «تشويشاً»؟ ومن يملك حق تعريف هذا التشويش؟ وما المقصود تحديداً بـ«الأمن النفسي» و«الأمن الفكري» للوطن؟ وهل كل دعوة إلى التغيير تهديد للاستقرار، أم أن بعض التغيير قد يكون هو نفسه شرطاً لاستدامته؟ ثم من هي «الأمة» التي يُشترط أن يجري التغيير وفق ما أجمعت عليه؟
وهنا لا يعود الأمر مجرد تفصيل لغوي في خطبة عابرة، بل يصبح سؤالاً سياسياً ومجتمعياً وأخلاقياً أعمق:
متى يتحول الحرص على أمن الوطن من حماية للمجتمع إلى تضييق على المواطن؟ ومتى يصبح الاستقرار ذريعة لإعادة تعريف المواطنة على أنها صمت وامتثال؟
هنا تحديداً تبدأ الأسئلة التي لا ينبغي أن يخشاها وطن واثق من نفسه.
أمنٌ بلا حدود… حين تتسع كلمة «الأمن» حتى تبتلع الحرية:
لا عاقل يجادل في أن الأمن حاجة أساسية للمجتمع، وأن حماية الناس من العنف والتحريض والكراهية والتطرف ليست ترفاً سياسياً، بل شرطاً لاستمرار الحياة المشتركة، والدولة كما يقع على عاتقها حفظ النظام العام، مطالبة أيضاً بتوفير الشروط التي تجعل المواطن آمناً في نفسه وحريته وكرامته.
لكن الأمن لا ينبغي أن يتحول إلى كلمة سحرية تُستدعى كلما أريد إسكات سؤال، أو تحجيم نقد، أو تطويق اعتراض.
فهناك أمن يحمي المجتمع، وهناك خطاب عن الأمن قد يتحول، إذا اتسعت حدوده بلا ضوابط، إلى وسيلة لحماية السلطة من المجتمع.
في السياق المغربي، تبلورت بعد أحداث 16 ماي 2003 سياسة أكثر تشدداً في تنظيم “الحقل الديني” والإشراف على المساجد و”الخطاب الديني”، في إطار مواجهة التطرف والعنف وتعزيز “المرجعية الدينية الرسمية”، وقد ارتبطت تلك المرحلة بإعادة تنظيم المؤسسات الدينية وتعزيز الرقابة على الخطاب الديني.
وهذا، في أصله، مفهوم يمكن فهم ضرورته في مواجهة التكفير والعنف والتطرف مع كثير من التحفظ.
لكن الإشكال يبدأ عندما تتسع الدائرة لتشمل مفاهيم أكثر “فضفاضة”، مثل “الأمن الفكري” و”الأمن النفسي”، دون تحديد واضح لحدودها ومعاييرها.
هنا يصبح السؤال مشروعاً، بل ضرورياً:
ما الذي يهدد الأمن الفكري تحديداً؟ ومن يضع حدوده؟ ومن يملك سلطة تعريفه؟
هل الصحفي الذي يكشف اختلالاً في تدبير الشأن العام يشوش على الأمن الفكري؟
هل الباحث الذي ينتقد سياسة عمومية فاشلة يهدد الأمن النفسي للمجتمع؟
هل الفنان الذي يعكس في عمله الفقر والتهميش والاحتقان الاجتماعي يزعزع الأمن الروحي؟
هل المواطن الذي يصرخ في وجه الغلاء والبطالة والفساد يمارس حقه في التعبير، أم يقترب من «التشويش» و«الفتنة»؟
وإذا كان مجرد طرح هذه الأسئلة قابلاً لأن يُدرج تحت عنوان «تهديد الأمن»، فمن يحمي المجتمع من التوسع في تعريف التهديد نفسه؟
ذلك هو جوهر المسألة.
فالمشكلة ليست في الأمن بوصفه حقاً جماعياً، وإنما في تحويله إلى مفهوم مطاطي يمكن أن يتمدد حتى يشمل كل ما يزعج، وكل ما ينتقد، وكل ما يختلف، وكل ما يطالب بالتغيير.
وعندما يصبح تعريف الأمن أوسع من أن تضبطه معايير واضحة، فإن المفهوم الذي يفترض أن يحمي الفضاء العام قد يتحول، من حيث يشعر أو لا يشعر أصحابه، إلى أداة محتملة لتضييقه.
والخطر هنا لا يكمن فقط في منع الكلمات الصريحة، بل في شيء أكثر عمقاً: أن يتعلم الناس، مع مرور الوقت، أن هناك كلمات لا ينبغي قولها، وأسئلة لا ينبغي طرحها، وحقائق من الأفضل ألا تُسمى بأسمائها.
وعندها لا يعود السؤال: كيف نحمي أمن المجتمع؟
بل يصبح السؤال الأكثر إزعاجاً: من يحمي المواطن من أن يتحول «الأمن» نفسه إلى ذريعة لمصادرة حقه في التفكير والاختلاف والنقد؟
من يملك حق تعريف «الإجماع»؟
لكن العبارة الأكثر إثارة للقلق، وربما الأكثر حاجة إلى مساءلة، هي تلك التي تجعل حرية التعبير أو السعي إلى التغيير مشروطاً بأن يكون “وفق ما أجمعت عليه الأمة”.
هنا تحديداً ينبغي أن نتوقف، أي أمة نقصد؟ ومن يتحدث باسمها؟ ومن يملك حق تحديد ما أجمعت عليه؟
هل الأمة كتلة واحدة تفكر بصوت واحد، أم مجتمع حي تتعدد داخله الآراء والمصالح والاجتهادات والتصورات؟
وإذا كان الاختلاف جزءاً طبيعياً من حياة المجتمعات، فهل يصبح المواطن الذي يرفض سياسة عمومية أو يطالب بتغييرها خارجاً عن «الإجماع»؟ وهل الباحث الذي يقدم قراءة مغايرة للسائد يفقد بذلك انتماءه إلى الجماعة؟ وهل الصحفي الذي يطرح سؤالاً لا ترغب بعض الجهات في سماعه يتحول، لمجرد سؤاله، إلى مصدر تهديد للوحدة؟
المفارقة هنا عميقة: إذا كان التغيير لا يجوز إلا بعد أن يحصل على إجماع مسبق، فمن الذي سيغيّر ما يحتاج إلى التغيير أصلاً؟
فالمجتمعات لا تتقدم لأن الجميع يرددون الفكرة نفسها، وإنما لأنها تمتلك شجاعة الاختلاف، ومؤسسات قادرة على إدارة هذا الاختلاف دون تحويله إلى عداوة أو تخوين.
فالاختلاف ليس انقساماً بالضرورة، والنقد ليس هدماً، والاحتجاج ليس فتنة، والسؤال المزعج ليس خيانة للوطن.
بل إن كثيراً مما نعتبره اليوم إصلاحات وحقوقاً ومكتسبات لم يولد من رحم الإجماع، وإنما بدأ في لحظة ما بصوت أقلية، أو سؤال مقلق، أو اعتراض غير مريح، أو مواطن رفض أن يردد ما يقوله الجميع.
لذلك فإن تحويل «الإجماع» إلى شرط غامض لممارسة الحق في التعبير أو المطالبة بالتغيير قد يقود إلى نتيجة عكسية: إقصاء كل صوت لا يطابق الصوت الغالب، وتحويل الاختلاف الطبيعي إلى شبهة، والمعارضة المشروعة إلى خروج عن الجماعة.
والأخطر أن «الإجماع» قد يتحول من وصف لحالة توافقية إلى أداة لتحديد من هو داخل الوطن ومن هو خارجه.
وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل نريد إجماعاً يصنعه الحوار والاقتناع، أم إجماعاً يُفترض مسبقاً ثم يُطلب من الجميع الانضمام إليه والخضوع له بلا سؤال ولا نقد؟
الأول يبني مجتمعاً قوياً، أما الثاني، فلا ينتج إلا صمتاً يشبه الإجماع.
حين يكون المنبر صوتاً للعدل… لا صدىً للسلطة:
المسجد في وجدان الناس ليس مجرد مكان للصلاة، ولا المنبر مجرد منصة لإلقاء المواعظ، لقد ظل المسجد، في تاريخ المسلمين، فضاءً لبناء الإنسان وترسيخ قيم العدل والرحمة والتكافل والأمانة، وتقوية أواصر المجتمع، ومواجهة الظلم والانحراف.
ومن هذه المكانة بالذات يستمد المنبر قوته وتأثيره، لذلك فإن الدفاع عن استقلال رسالته ليس انتقاصاً من المسجد، بل دفاع عن أدواره المشرقة ومكانته الأخلاقية في حياة الناس.
المسجد الذي يذكّر القوي بأن عليه أن يعدل، والغني بأن عليه أن يتكافل، والمسؤول بأن السلطة أمانة، والمواطن بأن حقوق الآخرين مصونة، إنما يؤدي واحدة من أنبل وظائفه.
لكن قوة المسجد لا تكمن في أن يتحول إلى رقيب على العقول، وإنما في أن يبقى منارة تهديها وتوقظ ضمائرها.
فليس من وظيفة المنبر أن يرسم للمواطن خريطة جاهزة لما ينبغي أن يفكر فيه اجتماعيا وسياسيا، أو أن يضع قائمة بالأسئلة المسموح بطرحها والأسئلة التي ينبغي دفنها تحت عنوان “التشويش”.
وليس من مهمة الخطبة أن تحول الخلاف حول تدبير الشأن العام والسياسات العمومية إلى امتحان في الولاء، أو إلى معيار يقاس به صلاح المواطن وفساده.
بل إن الدين يستطيع أن يقدم للمجتمع شيئاً أعمق وأجمل: أن يعلمنا كيف نختلف دون أن نتباغض، وكيف ننتقد دون أن نظلم، وكيف نرفض الظلم دون أن نمارس ظلماً آخر، وكيف نحفظ كرامة المختلف كما نحفظ كرامة المتفق.
فالمنبر الذي يقول للمظلوم: لك حق في كرامتك، وللظالم: عليك أن ترد الحقوق، وللمسؤول: السلطة أمانة وليست امتيازاً، وللمواطن: لا تحول اختلافك إلى كراهية، إنما يقوم برسالته كاملة.
أما حين ينتقل المنبر من بناء الإنسان إلى ضبط الضمائر، ومن ترسيخ القيم إلى تحديد ما يجوز للناس أن يقولوه، ومن مقاومة الظلم إلى تبرير الصمت عنه، فإننا نكون أمام خلط يحتاج إلى التنبيه.
المسجد ليس في حاجة إلى أن يكون شرطة فكرية حتى يكون مؤثراً، ولا يحتاج إلى أن يطلب من الناس الصمت حتى يثبت إخلاصه للوطن.
بل العكس تماماً: كلما دافع المسجد عن العدل وكرامة الإنسان وحق الضعيف وفضيلة الصدق، ازداد قرباً من رسالته، وازداد تأثيره في المجتمع.
فالمسجد الذي نريده ليس مسجداً يعلم الناس كيف يصمتون، بل مسجداً يعلمهم كيف يتكلمون بالحق، وكيف يختلفون بأخلاق، وكيف يمارسون حريتهم بمسؤولية، وكيف يجعلون من إيمانهم قوة لبناء مجتمع أكثر عدلاً ورحمة وكرامة.
المسجد منارة للضمير وكلما بقي كذلك، ظل أكبر من أن يتحول إلى جهاز للرقابة على العقول.
حين تتكلم السلطة باسم الوطن… والوطن أوسع من أن يُختزل فيها:
وهنا نصل إلى قلب المسألة، وربما إلى أخطر ما يمكن أن يحدث في وعي المجتمع: حين يجري اختزال الوطن في السلطة، ويصبح الاعتراض على من يدير الوطن اعتراضاً على الوطن نفسه.
فلنقلها بوضوح:
الوطن ليس الحكومة.
الوطن ليس الإدارة.
الوطن ليس الحزب.
الوطن ليس المؤسسة.
والوطن ليس منبراً ولا خطيباً ولا رأياً واحداً.
الوطن أكبر من كل ذلك، وأبقى من الحكومات، وأوسع من المؤسسات، وأعمق من الخطابات العابرة.
الوطن هو المواطنون أنفسهم، المختلفون والمتفقون، الراضون والغاضبون، الذين يصفقون والذين يعترضون، الذين يرون أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح، والذين يصرخون بأن شيئاً ما يسير في الاتجاه الخطأ.
ولهذا فإن انتقاد الحكومة ليس كراهية للوطن، والاحتجاج على سياسة عمومية ليس تمرداً، وكشف الفساد ليس دعوة إلى الفوضى، والمطالبة بالإصلاح ليست خروجاً على الجماعة.
بل إن وضع كل هذه الأفعال في خانة واحدة، وربطها تلقائياً بتهديد الوطن أو زعزعة استقراره، هو الذي يهدد بإفراغ الانتماء للوطن من معناه.
لأن المواطن سيجد نفسه أمام معادلة مختلة:
إما أن تؤيد… أو تُتهم بأنك ضد الوطن.
وهذه معادلة خطيرة.
فالسلطة تتغير، والحكومات تتعاقب، والسياسات تتبدل، والمسؤولون يغادرون مواقعهم، أما الوطن فيبقى.
لذلك لا يجوز أن يتحول الوطن إلى مظلة تختبئ تحتها السلطة من النقد، ولا أن يصبح حب الوطن مرادفاً لحب الحكومة والحاكمين (المفترض أنهم في خدمته)، ولا أن يُطلب من المواطن أن يثبت وطنيته بالصمت عن أخطاء من يتولى تدبير شؤونه.
بل العكس هو الصحيح:
قد يكون نقد السلطة، في لحظة معينة، أحد أكثر أشكال المسؤولية الوطنية صدقاً.
فالمواطن الذي يقول للمسؤول: «أخطأت»، لا يهدم وطنه بالضرورة، قد يكون يحاول حمايته من الخطأ.
والذي يقول: «هذه السياسة تضر بالناس»، لا يطعن في الدولة، بل يمارس حقه في مساءلة من يديرها.
والذي يحتج على الظلم لا يعلن الحرب على الوطن؛، بل يقول، من داخل الوطن ومن أجله:
كان يمكن أن نكون أفضل.
الوطن الواثق من نفسه لا يخاف من مواطن غاضب، ولا يعتبر السؤال عداءً، ولا يرى في النقد خيانة.
الوطن القوي هو الذي يستطيع أن يسمع مواطنه حين يقول: «أخطأتم»، دون أن يرد عليه: أنت ضد الوطن.
لأن الوطن الذي لا يتسع إلا للصوت المؤيد ليس وطناً قوياً، إنه وطن ضيق في تعريفه لنفسه.
أما الوطن الحقيقي، فهو الذي يتسع للمؤيد والمعارض، للمصفق والناقد، للهادئ والغاضب، ولمن يرى أن الأمور بخير ولمن يطالب بأن تصبح أفضل.
فليس المطلوب أن نحب الوطن بالطريقة التي يريدها الآخرون، وإنما أن نحبه بما يكفي لكي نحرسه من الخطأ، ونحاسب من يسيء تدبيره، ونطالب بأن يكون أكثر حرية وعدلاً وكرامة وإنصافاً لجميع أبنائه.
حين يصبح الصمت استقراراً… والخوف مواطنة:
ثمة فرق لا يجوز طمسه بين مجتمع مستقر ومجتمع صامت، فالصمت قد يكون ثمرة اقتناع، لكنه قد يكون أيضاً ثمرة خوف.
والهدوء قد يكون علامة على الثقة بالمؤسسات، لكنه قد يكون في المقابل نتيجة شعور الناس بأن الكلام مكلف، وأن السؤال قد يجر المتاعب، وأن الاعتراض قد يُقرأ باعتباره خروجاً عن الصف.
لهذا فإن مجرد غياب الأصوات المرتفعة لا يكفي دليلاً على الاستقرار، فالهدوء وحده لا يخبرنا إن كان الناس مطمئنين… أم خائفين.
الاستقرار الحقيقي لا يعني أن تختفي الأصوات المزعجة، بل يعني أن توجد مؤسسات قادرة على سماعها واستيعابها ومناقشتها وتحويل النقد الجاد إلى فرصة للإصلاح.
الدولة القوية ليست الدولة التي لا ينتقدها أحد، فقد تكون تلك دولة يخشى فيها الناس الكلام.
الدولة القوية حقاً هي التي يستطيع المواطن أن ينتقدها دون أن يخاف منها، وأن يقول لمسؤوليها: أخطأتم، دون أن يُتهم بأنه ضد الوطن.
والمؤسسة الواثقة من شرعيتها لا تحتاج إلى تعليم مواطنيها أن الصمت فضيلة، لأن شرعيتها تُبنى على قدرتها على الإقناع، وعلى أدائها، وعلى ثقة الناس بها، لا على غياب الأصوات المخالفة.
أما أخطر ما يمكن أن يحدث لمجتمع، فهو أن يتسلل الخوف إلى اللغة اليومية لمواطنيه، فيتعلم الناس بالتدريج أن السلامة في الصمت، وأن السؤال مخاطرة، وأن النقد تشويش، وأن الاحتجاج شبهة، وأن المواطن الصالح هو الذي لا يزعج أحداً، وأن “الفم المسدود لا تدخله ذبابة”.
عندها نكون قد ارتكبنا أخطر عملية تزوير لمعنى الاستقرار: نستبدل الطمأنينة بالخوف، والاقتناع بالصمت، والثقة بالامتثال.
فالاستقرار الذي لا يحتمل النقد ليس استقراراً راسخاً، إنه مجرد هدوء هش.
أما الاستقرار الحقيقي، فهو الذي يسمح للمجتمع بأن يختلف دون أن يتشظى، وللمواطن بأن يحتج دون أن يتحول إلى عدو، وللصحفي أن يسأل دون أن يصبح متهماً، وللباحث أن ينتقد دون أن يُنظر إليه باعتباره مشوشاً.
وهنا تحديداً تصبح الوطنية أعمق من مجرد الولاء اللفظي:
أحب الوطن بما يكفي لأختلف معه.
أختلف لأنني أريده أفضل، وأسأل لأنني أريده أعدل، وأنتقد لأنني أريده أكرم لأبنائه.
فحب الوطن لا يعني أن نراه كاملاً، بل أن نمتلك الشجاعة لنقول أين يختل، والصدق لنطالب بإصلاحه، والمسؤولية حتى لا يتحول اختلافنا إلى عداوة.
ذلك هو الاستقرار الذي يستحق أن ندافع عنه: استقرار لا يخاف من الكلام، ولا يحتاج إلى الصمت كي يستمر.
أسكتنا الأقلام… فتكلم البحر: الوطن يدفع فاتورة الصمت…
المواطنة ليست طاعة صامتة، وليست أن تصفق حين يُطلب منك التصفيق، أو أن تصمت حين يصبح الكلام مكلفاً.
المواطنة مسؤولية، ومشاركة، ومساءلة، وحق في السؤال، وواجب في النقد، والتزام بأن يتحول الاختلاف إلى حوار لا إلى عنف، وإلى إصلاح لا إلى كراهية.
ولهذا فإن حب الوطن لا يقاس بعدد المرات التي نهتف فيها باسمه، بل أيضاً بقدرتنا على أن نقول الحقيقة حين يكون الصمت أسهل، وأن نكشف الخلل حين يكون التغاضي أكثر أماناً، وأن نطالب بالإصلاح حين تكون المسايرة أقل كلفة.
قد يكون الصمت أكثر راحة.
وقد تكون المسايرة أكثر أمناً.
وقد يكون قول ما يريد الآخرون سماعه هو الطريق الأقصر لتجنب المتاعب.
لكن المواطنة الحقيقية تبدأ عندما يستطيع المواطن أن يقول:
أحب هذا الوطن، ولذلك أريده أفضل.
أريده فضاء أكثر عدلاً، ومدرسة أكرم لأبنائه، وصحة تحفظ كرامتهم، واقتصاداً يفتح الأفق أمام شبابه، ومؤسسات أكثر شفافية، وقانوناً يسري على الجميع، وكرامة لا تتوقف على موقع الإنسان في سلم السلطة والنفوذ.
ومن هنا، لا ينبغي أن نحارب كل ما يسمى “تشويشاً”، فليس كل تشويش هدماً.
هناك تشويش فوضوي يهدد السلم الاجتماعي ويعتدي على حقوق الآخرين، وهذا لا يمكن تبريره باسم الحرية.
لكن هناك أيضاً تشويش خلاق: صوت الصحفي حين يكشف اختلالاً، وصوت المدون حين يفضح ظلماً، وصوت الباحث حين يسائل سياسة عمومية، وصوت المواطن حين يقول: “هذا لا يليق بنا”.
هذه الأصوات قد تكون مزعجة، نعم، لكن إزعاج الضمير ليس جريمة، وإزعاج السلطة ليس خيانة، وإزعاج السائد قد يكون أحياناً بداية الإصلاح.
فالمجتمع الذي يريد أن يسمع فقط ما يطمئنه، قد يفقد القدرة على رؤية ما يؤلمه.
والمؤسسات التي تواجه الصحافة المستقلة والأصوات الناقدة بالضغط أو الملاحقة أو التشويه قد تكسب هدوءاً في اللحظة، لكنها تخاطر بخسارة شيء أثمن على المدى البعيد: ثقة الناس، وحيوية المجتمع، وصورته أمام نفسه وأمام العالم.
وهنا تبدأ الفاتورة.
قد يبدو الصمت انتصاراً للاستقرار، وقد تبدو قلة الأصوات المزعجة دليلاً على أن الأمور تسير بهدوء.
لكن ماذا لو كان هذا الهدوء لا يعني الرضا، بل يعني أن كثيراً من الناس لم يعودوا يرون جدوى من الكلام؟
ماذا لو انتقل السؤال من: “لماذا لا نسمع أصواتاً معارضة؟”
إلى: “أين ذهب أصحاب هذه الأصوات؟”
بعضهم صمت، وبعضهم غادر المجال العام، وبعضهم وجد نفسه في مواجهة الملاحقة أو السجن، وهي أوضاع وثقتها منظمات حقوقية وصحفية دولية في حالات متعددة.
لكن الفاتورة لا تتوقف هنا، فحين تضيق مساحة التعبير، لا يختفي الإحباط بالضرورة، قد ينتقل من المجال العام إلى المجال الخاص، ومن الاحتجاج إلى العزوف، ومن الكلام إلى الرغبة في الرحيل.
ولا يمكن، بطبيعة الحال، اختزال الهجرة في سبب واحد، فالبطالة والفوارق الاجتماعية وضعف الفرص والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية كلها تتداخل في صناعة قرار الهجرة.
لكن من الصعب أيضاً تجاهل السؤال الأوسع: ماذا يحدث عندما يفقد جزء من الشباب الثقة في قدرة الوطن على منحهم مستقبلاً يستحق الانتظار؟
لقد شهدت منطقة الفنيدق في السنوات الأخيرة محاولات جماعية للعبور نحو سبتة، كان من أبرزها تحرك سبتمبر 2024 الذي شارك فيه مئات الشباب وفضيحة الهجرة الجماعية يومي 30 و31 يوليوز 2026 التي شهدت عبور الآلاف من الشباب ووفيات بالعشرات.
وهذا المشهد لا ينبغي اختزاله في مجرد «هجرة غير نظامية» أو في ملف أمني، إنه، قبل ذلك وبعده، سؤال عن الأمل.
ماذا يدفع شاباً إلى المخاطرة بحياته في البحر؟
ما الذي يجعله يرى الضفة الأخرى أقرب إلى المستقبل من الضفة التي ولد فيها؟
ولماذا يصبح البحر، في لحظة من اللحظات، أقل رعباً من البقاء بلا أفق؟
لا نملك أن ننسب هذه الظاهرة إلى سبب واحد، ولا يصح اختزالها في حرية التعبير وحدها، لكن من المشروع أن نسأل عن أثر الثقة والكرامة والأمل والمشاركة وحرية التعبير في علاقة المواطن بوطنه ومستقبله.
والبلد لا يخسر فقط عندما يغادره مهندس أو طبيب أو أستاذ أو عامل شاب، إنه يخسر أيضاً عندما يغادره الإيمان بإمكان الإصلاح.
والفاتورة لا تُدفع في البحر وحده.
تُدفع أيضاً في صورة البلد وسمعته، حين تصبح الصحافة المستقلة موضع ضغط، وحين تتحول الأقلام المزعجة إلى مشكلة، وحين يصبح السؤال الصعب أقرب إلى «التشويش» منه إلى فرصة للتصحيح.
إن صورة المغرب في الخارج لا تصنعها الحملات الرسمية ولا الديبلوماسية الناعمة فقط، تصنعها أيضاً الطريقة التي يتعامل بها البلد مع صحفييه ومدونيه ومثقفيه وفنانيه ونشطاءه ومواطنيه حين يختلفون.
فقد تكسب الدولة معركة الصمت، لكنها قد تخسر جزءاً من معركة الصورة والثقة.
والأخطر أن الهدوء الذي يُفرض من فوق قد يبدو استقراراً، بينما تتراكم تحته مشاعر الإحباط وفقدان الثقة والرغبة في الرحيل.
لذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يقلقنا ليس: كيف نمنع «التشويش»؟
بل: كيف نحول الأصوات المزعجة إلى فرصة للإصلاح قبل أن تتحول إلى أصوات مهاجرة؟
وكيف نحافظ على صحافة حرة لا باعتبارها خصماً للدولة، وإنما باعتبارها إحدى أدوات الإنذار؟
وكيف نحمي المدون والصحفي والباحث وصاحب الرأي المختلف من أن يتحول اختلافه إلى تهمة؟
وكيف نجعل المواطن يشعر بأن صوته، مهما كان مزعجاً، يمكن أن يغير شيئاً؟
فالأمن الذي يحتاج إلى الصمت كي يستمر أمن هش.
والاستقرار الذي لا يحتمل النقد استقرار ظاهري.
والوطن الذي يخاف من السؤال يخاطر بأن يبحث أبناؤه عن إجابات في أماكن أخرى.
أما الوطن القوي حقاً، فهو الذي يستطيع أن يقول لمواطنيه:
اسألوا، انتقدوا، اختلفوا، احتجوا، طالبوا بالإصلاح… ولكن لا تعتدوا، ولا تحرضوا على العنف، ولا تسلبوا الآخرين حقوقهم.
تلك هي المعادلة التي تجمع بين الحرية والمسؤولية، وبين الاستقرار والكرامة، وبين قوة الدولة وحق المواطن.
فليست المواطنة أن نخاف من الوطن إذا تكلمنا.
بل أن نخاف عليه إذا سكتنا عن ظلمه، أو فساد مؤسساته، أو إهدار خيراته، أو إهانة كرامة أبنائه.
أحب الوطن بما يكفي لأختلف.
أحبّه بما يكفي لأسأل.
أحبّه بما يكفي لأنتقد.
أحبّه بما يكفي لأغضب من أجله.
وأحبّه بما يكفي لأطالب بأن يكون أفضل.
لأن الوطن الذي يتسع للجميع يجب أن يتسع أيضاً للمواطن المختلف، وللصحفي المزعج، وللمدون الجريء، وللقلم الحر، وللسؤال الذي لا تريد السلطة سماعه.
فلا تجعلوا الصمت دليلاً على الرضا، ولا الهدوء دليلاً على النجاح.
فقد يصمت الناس لأنهم اقتنعوا… وقد يصمتون لأنهم تعبوا… وقد يبقى الوطن هادئاً… بينما يكون بعض شبابه قد بدأوا الرحيل.
والفاتورة، عندها، لا يدفعها صحفي واحد، ولا مدون واحد، ولا صاحب رأي واحد.
يدفعها الوطن كله: في ثقة مواطنيه، وفي حيوية مجتمعه، وفي صورته، وفي طاقاته، وفي أبنائه الذين كان يمكن أن يبنوا مستقبله… فاختار بعضهم البحث عنه في الضفة الأخرى.
وفي النهاية، لا ينبغي أن نخاف من المواطن الذي يسأل، بل من وطن يتوقف عن الاستماع.
ولا ينبغي أن نحارب كل «تشويش»، بل أن نميز بين التشويش الذي يهدم، والتشويش الذي ينبه إلى الحريق قبل أن يلتهم البيت.
فالوطن لا يصبح أقوى عندما يصمت أبناؤه، يصبح أقوى عندما يستطيع أبناؤه أن يتكلموا دون خوف، وأن يختلفوا دون تخوين، وأن ينتقدوا دون أن يفقدوا انتماءهم إليه.
لنا جميعاً… وطنٌ يتسع للاختلاف، لا وطنٌ يطلب منا الصمت كي يبدو مستقراً.
The post بين المنبر والمواطنة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.