بيروت وإدريسها و"آدابها"

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

سهيل إدريس، و"رعيّته"، يستحقّان العرفان دائمًا، ولا سيّما في هذا الزمن اللبنانيّ والبيروتيّ الصعب، وشبه المستحيل. من حقّ "الآداب" علينا، دارها والكتب والنشر، ومن واجبنا، التحيّة. سبعون عامًا، وهي تمشي فوق جمر. سبعون عامًا من الأدب في أرضٍ تتكاثر فيها المقابر أكثر ممّا تتكاثر الحدائق، وفي بلدٍ يكاد يُمحى كلّ يوم. إنّها عمرٌ لفكرةٍ سديدةٍ عن لبنان - الكلمة الذي أراد أنْ يكون ينبوعًا وحرّيّةً ودستورًا ووليمةً شعريّةً وبيتًا للثقافة العربيّة الحديثة، ومنبرًا للاختلاف، ومرفًأ للتيّارات المتناقضة، ومختبرًا للأحلام الفكريّة والجماليّة والسياسيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة... ومكانًا وحالة.

 

إذ أحيّي "دار الآداب"، أستحضر بيروت نفسها، في ذروتها، ولكن أيضًا حيث هي الآن في قاع القاع. بيروت الفرد، الأنا، الآخر، الحواسّ، المرأة، الحرّيّة، الجرأة، "الوقاحة"، الجنس، الجسد، الدهشة، الرحابة، التجريب، الاختبار، التمرّد، السؤال، تحدّي السائد، الكلمات، المقاهي التي كانت تُشبه برلماناتٍ حرّة للأفكار. بيروت التي احتملت الشعراء والمنفيّين والمتمرّدين والحالمين والمكسورين. بيروت التي، رغم الحروب، تجرؤ على إصدار كتابٍ جديد فيما الأبنية والروح والجسد تتساقط فيها وحولها.

 

في هذا البلد النوعيّ الصغير، المتعب، الممزّق بين الطوائف والمصالح والدمار والظلاميّات، تنشأ كلّ يوم معجزة إنسانيّة وثقافيّة حقيقيّة. كيف يمكن مدينةً محاصرةً دائمًا بالقلق والهشاشة أنْ تصبح "عشيقة" jلكتاب العربيّ... وعاصمته؟ كيف تستطيع أن تكون الروح والإناء، فتستضيف هذا العدد الهائل من الشعراء والأدباء والمفكّرين والفنّانين والمجلات ودور النشر والمترجمين؟ السرّ هو هشاشتها نفسها. فالمدن المطمئنّة لا تُنتج دائمًا قلقًا فكريًّا خلّاقًا، أمّا بيروت فتعيش على حافة الهاوية، ولذلك فإنّ الكتابة فيها نوعٌ من العرفان الوجوديّ. وكانت المجلّات الثقافيّة ودور النشر، ومنها "دار الآداب"، بمثابة مختبراتٍ للحداثة وللحرّيّة. هنا عبرت تيّارات الفكر القوميّ واليساريّ والوجوديّ والليبيراليّ والشعريّ الطليعيّ. هنا تصادمت الأفكار كما تتصادم الأمواج على صخور الروشة. وهنا أيضًا اكتشف القارئ العربيّ أسماءً غيّرت وجه الأدب والفكر.

 

لكن، أيّ بيروت بقيت اليوم؟

 

المدينة التي كانت ينبوعًا صارت مقبرة... ومدينةَ عبورٍ سريع نحو المنافي. الأمكنة الثقافيّة تُطفأ الواحد تلو الآخر. المكتبات تُغلق. الوجوه التي صنعت الحياة الثقافيّة تتناثر في أصقاع الأرض أو تنكفئ داخل تعبها. الخراب ليس حادثًا عابرًا في بيروت، بل مناخٌ عضويّ. موتٌ شبه عميم يحتلّ العاصمة اللبنانيّة، ليس فقط موت الأبنية والاقتصاد والكهرباء، بل موت الإحساس بالمكان نفسه. وموت المعايير. والقيم. والمفاهيم. المدينة تفقد ذاكرتها، أو تُجبر كلّ يوم على أنْ تنسى نفسها كي تتمكّن من البقاء.

 

مع ذلك، وسط هذا العمى كلّه، تبدو مناسبة سبعين عامًا على تأسيس "دار الآداب" فعلَ تحدٍّ، أخلاقيًّا وثقافيًّا. الدار تقول إنّ الثقافة ليست ترفًا يُؤجَّل إلى ما بعد الكارثة، بل هي ما يبقى حين تنهار الأشياء الأخرى كلّها. ففي الأزمنة المظلمة، لا تنقذ المدنَ الأسلحةُ والجيوشُ والأحزاب والبلطجيّة ولا المصارف ولا السياسيّون والمرتزقة، ولا الخروج على القانون، بل تنقذها ذاكرتها الثقافيّة، وإصرارها على أنْ تظلّ قادرةً على إنتاج المعنى.

 

سبعون عامًا ليست احتفالًا بالماضي فقط، بل دفاعٌ عن المستقبل. دفاعٌ عن بيروت التي نعرف أنّها مطمورةٌ، كنبعٍ جريحٍ ومنسيٍّ تحت الركام، تنتظر من يعيد اكتشافها. بيروت الحواسّ، اللحم الحيّ، الكائن الفرد، الكتاب، والمجلّة، والقصيدة، والحوار، والحرّيّة، والمقهى، والمسرح، والنقاش الحادّ حتى الفجر، وخصوصًا... بيروت الأنتي ظلاميّة. 

 

تحيّة إلى روح سهيل إدريس، صاحب "الخندق العميق" و"الحيّ اللاتينيّ" و"أصابعنا التي تحترق، والترجمات، و"الآداب"، وتحيّة إلى "رعيّته" التي تواصل المهمّة الشاقّة.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية