بعد اقتلاعهم من ديارهم: لماذا يحتاج النازحون في لبنان إلى تضامن مستدام اليوم؟
كارولينا ليندهولم بيلينغ، ممثلة مكتب المفوّضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان
في اليوم العالمي للاجئين، تتجه أنظار العالم بقوّة إلى الأشخاص الذين أُجبروا على عبور حدود بلادهم بحثاً عن ملاذ آمن، أي اللاجئين. غير أن أزمة أخرى لا تقلّ إلحاحاً تستحق أن تتصدّر المشهد في لبنان وتتطلّب اهتماماً عاجلاً، وهي أزمة النزوح الداخلي. فبعد مرور أكثر من مئة يوم على التصعيد الأخير للنزاع مع إسرائيل، اضطرّ نحو مليون شخص إلى الفرار من ديارهم داخل بلدهم. فرّوا بحثاً عن الأمان، لكن كثيرين منهم وجدوا أنفسهم عالقين في دوامة من عدم اليقين والنزوح المتكرر والدعم الهشّ الذي لا يواكب حجم احتياجاتهم المتزايدة.
للأسف، لا يُعدّ النزوح الداخلي ظاهرة جديدة على لبنان، لكن حجم هذه الموجة الأخيرة وسرعة تفاقمها أظهرا مرة أخرى كيف يمكن أن تنقلب حياة الناس رأساً على عقب في لحظات. فالعديد من العائلات قد فقدت أحبّاءها ومنازلها ومصادر رزقها، وأمضت ثلاثة أشهر ونيّفاً في مراكز إيواء جماعية أو في أماكن مكتظة غير مهيّأة على الإطلاق للإقامات الطويلة الأجل. وبينما حظي البعض بالتمتّع بقدر نسبي من الأمان، لا يزال الاستقرار بعيد المنال بالنسبة إلى معظم العائلات.
وعلى الرغم ممّا يبديه الناس من صمود وقدرة على إعادة بناء تفاصيل حياتهم اليومية وسط النزاع، يجب ألا يتحوّل النزوح إلى واقع دائم أو إلى أمر اعتيادي. فللأشخاص النازحين الحق في العودة إلى ديارهم واستعادة استقلاليتهم والاستغناء عن الاعتماد على المساعدات في أسرع وقت ممكن.

إن الإعلان عن التوصّل إلى مذكرة تفاهم بين الولايات المتحدة وإيران في 14 حزيران قد منح بارقة أمل، مع شروع بعض العائلات في العودة إلى الجنوب. غير أن عودة الكثيرين لا تزال محفوفة بالحذر إذ يكتفي البعض بزيارات قصيرة لتفقد منازلهم وتقييم حجم الأضرار – ما يعكس مدى تعلّقهم العميق بديارهم والرغبة في العودة رغم استمرار حالة عدم اليقين.
خلال مسيرتي الممتدة على مدى ثمانية وعشرين عاماً من العمل مع المجتمعات المتضررة من جرّاء النزوح، لمستُ عن قرب الفرق بين التعامل مع الناس بوصفهم ضحايا ضعفاء، وبين مناصرتهم ودعمهم والتضامن معهم لاستعادة قدرتهم على اتخاذ القرارات والتحكم في مسار حياتهم وإعادة بنائها. وذلك يعني الإصغاء إليهم، والاعتراف بما يمتلكونه من قدرات، والوقوف إلى جانبهم بالحضور بينهم ومساندتهم. ويؤكد كثيرون أن الشعور بوجود من يراهم ويسمعهم، ومن يزورهم ويتابع أوضاعهم، لا يقلّ أهميةً عن المساعدات المادية التي تُقدّم إليهم – فذلك من شأنه طمأنتهم وإشعارهم بأنهم غير متروكين أو منسيّين.
فإظهار التضامن من خلال الحضور الفعلي والعمل الملموس هو أمر أساسي في هذا السياق.
ويتجلى هذا التضامن بوضوح في جميع أنحاء لبنان: سواء من خلال المسعفين الذين يخاطرون بحياتهم لإنقاذ الآخرين، أو العائلات التي فتحت أبواب منازلها للنازحين، أو المتطوّعين الذين يقدّمون الدعم إلى من فرّوا من منازلهم من دون شيء يُذكر، أو السلطات التي ترشد الناس إلى الأماكن الآمنة. وتواصل الجهات الإنسانية تقديم المساعدات الحيوية من دون انقطاع.
في حالات الأزمات الطويلة بهذا الحجم، يصبح من الضروري الاستفادة من التضامن والمهارات والقدرات لدى جميع أطراف المجتمع. قبل مجيئي إلى لبنان، عملتُ ممثلةً للمفوضية في أوكرانيا، حيث شهدتُ عن قرب كيف أسهم نهج "الاستجابة الشاملة للمجتمع"، الذي يقوم على حشد مساهمات جميع الجهات الفاعلة وتقديرها، في دعم صمود الناس وتعزيز الأمل لديهم خلال أكثر من أربع سنوات من الحرب الشاملة.
مع ازدياد الضغوط على المجتمعات المضيفة، وتزايد العبء على الخدمات العامة، ومواجهة الأسر النازحة تحديات متزايدة في إيجاد حلول مستدامة للمأوى والرعاية الصحية والتعليم وسبل العيش، يصبح التضامن المستدام والدعم الجماعي عنصراً ضرورياً وشرياناً حيوياً.
وكلما طال أمد النزوح، ازدادت أهمية تضافر الجهود بين جميع الجهات الفاعلة واستفادة بعضها من قدرات بعض، إذ لا يمكن لأيّ جهة منفردة الاستجابة وحدها وتلبية احتياجات بهذا الحجم.
من جهتنا في المفوضية، سنواصل مساهمتنا في هذه الاستجابة الجماعية ضمن مجالات خبرتنا ومسؤوليتنا، الحماية والمأوى والمساعدة الإنسانية، وذلك بالشراكة مع السلطات اللبنانية وشركائنا في الأمم المتحدة والمجتمع المدني، والأهم من ذلك، مع الأشخاص المتضرّرين أنفسهم. غير أن حجم الاحتياجات يفوق الموارد المتاحة بكثير.
يجب أن يكون اليوم العالمي للاجئين هذه السنة بمثابة دعوة إلى العمل: فالشعب اللبناني لا يمكنه مواجهة هذه المحنة بمفرده. إن تعزيز التضامن الدولي، من خلال التزام مستدام وتمويل كافٍ، أمر أساسي ولا غنى عنه.
من أوكرانيا إلى لبنان، تتضح حقيقة واحدة: العمل المشترك لدعم النازحين ومساعدتهم على استعادة قدرتهم على تقرير مصيرهم أمرٌ جوهري. إن اتباع نهج مجتمعي شامل ليس خياراً في الأزمات الطويلة، بل هو السبيل الوحيد للحفاظ على الصمود ومساعدة الناس على إعادة بناء حياتهم.