ترامب، إذ تبدو الهزيمة انتصاراً
أخطر الهزائم تلك التي تُباع بوصفها نصراً. فبعد أن تهدأ المدافع لا يحكم على الحروب من حجم الدمار، بل بما ترسخه، بصمت، من قواعد الصراع.
في الأسواق، ليست المشكلة في الخسارة وحدها، بل في طريقة تسجيلها في الدفاتر. لكن الهزيمة في السياسة أخطر وأدهى!
ثمة مفارقة قاسية في "الاتفاق الإطاري" الأميركي-الإيراني: خاض ترامب حرباً كي ينتزع من إيران ما كان ممكناً التفاوض عليه قبل الحرب، وخسر ما كان مكاسب بديهية بالأصل... لتخرج طهران بأوراق وقواعد للعبة جديدة.
قبل انزلاق الشرق الأوسط للحرب 28 شباط/ فبراير، كان المشهد سيئاً، لكنه لم يكن بهذا القدر من الانكشاف.
كان هرمز مفتوحاً. وكان النفط الإيراني تحت العقوبات. كانت الأموال الإيرانية محجوزة. وكان ممكناً، عبر ديبلوماسية صلبة (لا ديبلوماسية استعراضية)، أن تُدفع طهران إلى تفاوض جديد: حول اليورانيوم 60%، تخفيض نسب التخصيب، والرقابة المحكمة. ولم تكن الأسواق قد دخلت تلك الكارثة الوشيكة المقبلة. وكانت إيران تخاتل في اعتبار "حزب الله" وباقي أذرعها جزءاً من أوراقها التفاوضية وسيادتها الإقليمية، لتصير الآن من جديد ملحقاً رسمياً في إستراتيجيتها الإقليمية.
يقول كلاوزفيتز: “الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخرى”. وما جرى كان عكس ذلك: ما حصل أن سياسة فقيرة استدعت حرباً كبيرة، ثم عادت إلى طاولة التفاوض أضعف مما غادرتها. رفعت الولايات المتحدة سقف القوة. وصعدت لغة الردع، لكنها لم تستطع، عملياً، تحويل التفوق العسكري إلى إنجاز سياسي خالصٍ... وهذا هو الفارق بين من يكسب معركة ومن يربح حرباً.
يُخفي خطاب ترامب عن الاتفاق أسئلة أبسط: ألم يكن هرمز مفتوحاً أصلاً؟ ألم تكن إيران تحت العقوبات؟ ألم يكن النفط الإيراني ملاحقاً؟ ألم تكن الأموال الإيرانية مجمدة؟ إذا كانت الحرب قد انتهت إلى إعادة فتح ممر كان مفتوحاً قبلها، وإلى مفاوضات كان يمكن خوضها قبل اندلاعها، فبأي معنى يكون ذلك انتصاراً؟
تُظهر تقارير "رويترز" أن إطار الاتفاق يتضمن فتح مضيق هرمز، وبدء الإفراج عن أموال إيرانية مجمدة، ومنح إعفاءات لصادرات النفط، مقابل الدخول في مرحلة تفاوضية لاحقة حول البرنامج النووي. وصار الإيرانيون يتحدثون عن تكاليف “خدمات” في المضيق. والنتيجة واحدة: صار للمضيق صاحب، يفرض قواعد المرور. وهنا تنكشف الهزيمة إذ ترتدي ثوب النصر.
مع ترامب، ذلك التاجر العقاري، لا تحتاج إيران لاحتلال الأرض، بل يكفيها فرض منطقها في التفاوض.