بعد 250 سنة على قيامها: أميركا أمام شرق أوسط يتجاوز اقتصاده النفط إلى الذكاء الاصطناعي
في الذكرى الـ250 لقيام الولايات المتحدة، تبدو العلاقات الاقتصادية الأميركية- الشرق أوسطية أمام منعطف تاريخي. المنطقة التي دخلت الحسابات الأميركية طويلاً من بوابة النفط والحروب والممرات البحرية، لم تعد تُختزَل اليوم ببرميل خام أو قاعدة عسكرية أو صفقة سلاح. لقد تحوّلت إلى مساحة تتقاطع فيها الطاقة مع الذكاء الاصطناعي، والاستثمارات السيادية مع الأمن، والتجارة مع الصراع الأميركي- الصيني على هندسة القرن الحادي والعشرين.
الأرقام تكشف هذا التحول بوضوح. بلغ إجمالي تجارة السلع بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 146.5 مليار دولار في عام 2025، منها 89.6 مليار دولار صادرات أميركية إلى المنطقة، في مقابل 56.9 مليار دولار واردات منها، ما منح واشنطن فائضاً تجارياً قدره 32.6 مليار دولار. وهذا يعني أن المنطقة باتت سوقاً رابحة لها، وخصوصاً في قطاعات الطائرات والمعدات والغذاء والتكنولوجيا والدفاع والخدمات.
أما النفط، الذي كان جوهر العلاقة في القرن العشرين، فقد تراجع دوره كعامل اعتماد مباشر. في عام 2025، لم تشكل واردات النفط الخام الأميركية من الخليج العربي سوى ثمانية في المئة من إجمالي واردات الخام الأميركية البالغة 6.2 ملايين برميل يومياً. لكن هذا التراجع لا يعني تراجع أهمية الخليج. لم تعد واشنطن تحتاج إلى النفط الخليجي كما كانت تفعل في سبعينات القرن العشرين أو تسعيناته، لكنها لا تزال تحتاج إلى استقرار أسعاره عالمياً. أي اضطراب في مضيق هرمز أو إنتاج البلدان المطلة على الخليج ينعكس سلباً فوراً على التضخم، وأسعار الشحن، وتكلفة الطاقة، ومزاج الناخب الأميركي.

هنا تكمن المفارقة: الولايات المتحدة أصبحت أقل اعتماداً على نفط الشرق الأوسط، لكنها لم تصبح أقل اهتماماً باقتصاده. انتقلت العلاقة من "النفط في مقابل الأمن" إلى صيغة أعقد: "الأمن في مقابل الاستثمار والتكنولوجيا والتموضع الجيوسياسي". لا يزال السلاح أحد أعمدة هذه الصيغة. بين عامي 2021 و2025، جاء أكثر من نصف واردات السلاح في الشرق الأوسط من الولايات المتحدة، بنسبة 54 في المئة، وفق معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام.
لكن الجديد الأهم لا يأتي من النفط ولا من السلاح، بل من الرقائق ومراكز البيانات. في عام 2025، برز في دولة الإمارات العربية المتحدة مشروع "ستارغيت" في أبو ظبي، المقرر أن يبدأ تشغيل مرحلته الأولى عام 2026 بطاقة 200 ميغاواط، من ضمن خطة قد تصل إلى خمسة غيغاواط، بمشاركة شركات أميركية مثل "أوبن إيه آي" و"أوراكل" و"إنفيديا" و"سيسكو". وأعلنت المملكة العربية السعودية في هذا الصدد حزمة التزامات كبرى، من بينها خطط شركة "داتافولت" السعودية لاستثمار 20 مليار دولار في مراكز بيانات وبنى طاقة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة.
هذا التحول بالغ الدلالة. تريد دول الخليج أن تنتقل من تصدير الطاقة الخام إلى استضافة اقتصاد الحوسبة العالمي. والولايات المتحدة تريد أن تبقي الذكاء الاصطناعي الخليجي داخل المدار الأميركي، بعيداً من النفوذ الصيني. لذلك لم تعد العلاقة الاقتصادية الأميركية-الخليجية تدور حول ناقلات النفط فحسب، بل حول الرقائق، والخوادم، والطاقة الكهربائية، وأمن البيانات، وتحديد من يملك البنية التحتية للعقل الاصطناعي العالمي.
في الخلفية، تقف الصين كطرف ثالث لا يغيب عن أي حساب. لقد أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لبلدان مجلس التعاون الخليجي، مع نحو 173 مليار دولار من الصادرات الخليجية إلى الصين و129 مليار دولار من الواردات منها في عام 2023، وفق تقديرات قطاعية. هذا الواقع يضع واشنطن أمام تحدٍ واضح: هي لا تستطيع منع الخليج من التعامل مع الصين، لكنها تحاول جذب البنية الرقمية والاستراتيجية الخليجية بعيداً من المجال الصيني.

وتزداد أهمية الخليج بفعل صناديقه السيادية. هذه الصناديق تدير اليوم ما يقارب ستة تريليونات دولار، أي أكثر من 40 في المئة من إجمالي أصول الصناديق السيادية عالمياً. وبذلك فاق دور بلدان الخليج كجهات عالمية تستثمر في التكنولوجيا، والطاقة، والعقار، والرياضة، والبنية التحتية، والذكاء الاصطناعي أي دور تقليدي. صار رأس المال الخليجي جزءاً من الاقتصاد الأميركي نفسه، لا مجرد مال تُشترَى به منتجات أميركية.
تستخدم واشنطن التجارة أداة للنفوذ السياسي. تربطها اتفاقات للتجارة الحرة مع بلدان شرق أوسطية عدة، بينها إسرائيل والأردن والمغرب والبحرين وعُمَان. هذه الاتفاقات لا تُقَاس فقط بحجمها التجاري، بل كذلك بوظيفتها السياسية: تثبيت التحالفات، وربط الاقتصادات المحلية بالمعايير الأميركية، والتشجيع على اعتماد نماذج انفتاح اقتصادي محسوبة داخل المنطقة.
لكن العلاقة ليست مستقرة بلا توترات. باتت دول الشرق الأوسط، ولاسيما منها الخليجية، أكثر قدرة على التنويع السياسي إلى جانب التنويع الاقتصادي. هي تشتري السلاح من واشنطن، وتبيع الطاقة إلى آسيا، وتستثمر في أميركا وأوروبا، وتفاوض الصين، وتبني اقتصاداً رقمياً. أما الولايات المتحدة، في سنتها الـ250، فباتت مضطرة إلى التعامل مع شرق أوسط ذي علاقات أكثر تشابكاً مع منافسيها.
الخلاصة أن الشرق الأوسط لم يغادر قلب الاستراتيجية الأميركية، بل غيّر موقعه داخلها. في القرن العشرين، كان السؤال الأميركي: من يضمن النفط؟ أما اليوم فالسؤال أوسع: من يضمن الطاقة، والممرات، ورأس المال، والرقائق، والبيانات، والأسواق؟ لذلك تبدو العلاقات الاقتصادية الأميركية- الشرق أوسطية في الذكرى الـ250 لقيام الولايات المتحدة مرآة لتحول عالمي أعمق: من اقتصاد النفط إلى اقتصاد الحوسبة.

لقد تأسست الولايات المتحدة على وعد الاستقلال عن الإمبراطوريات القديمة. وبعد ربع ألفية، تبدو قوتها مرتبطة بقدرتها على إدارة شبكات اعتماد جديدة تمتد من وادي السيليكون إلى أبوظبي، ومن الرياض إلى واشنطن، ومن مضيق هرمز إلى مراكز البيانات. في هذا العالم، لم يعد الشرق الأوسط مجرد خزان طاقة وسوق سلاح؛ لقد أصبح كذلك خزان مال، ومختبر ذكاء اصطناعي، ومقرراً لشكل النظام الدولي المقبل.