حين يتحدث "حزب الله" عن "سلطة بعبدا": تحقير مقصود وإرباك في علاقته بالحكم
عندما يتحدث "حزب الله" عن السلطة في لبنان، واصفا رئيس الجمهورية والحكومة معاً بـ"سلطة بعبدا"، إنما يعبرّ عن معادلة ما، فأيّ مفهوم للسلطة هنا؟
غالبا ما يستخدم "حزب الله" تعبير "السلطة" أو "سلطة بعبدا" في خطابه السياسي، إلا أنه لا يقصد المعنى الدستوري الضيق للسلطة التنفيذية، بل يستعمل المصطلح بدلالات سياسية ورمزية واسعة.
يرى الباحث السياسي الدكتور إيلي الياس في "انطلاقة هذا التعبير انتقادا وتحقيرا للشرعية التي اكتسبها انتخاب رئيس الجمهورية باقتراع العدد الأكبر من النواب له، وتشكيل حكومة نالت ثقة كبيرة. إنه إعلان الطلاق التام مع شرعية هاتين المؤسستين، اللتين يعبرّ عنهما الحزب بكلمة "سلطة". هي حركة تختار التعابير في شكل مقصود، لا عفوا أو بتهوّر، ويشي بنظرة ارتباك وخوف وقلق من دور هاتين المؤسستين".
ماذا يعني "حزب الله" بـ"سلطة بعبدا"؟
لا شك في أن "حزب الله" هنا يقابل المعنى بمفهوم الحكم أو "الطبقة الحاكمة"، أكثر مما يقابله من منطلق أن السلطة هي مؤسسة دستورية تتألف من سلطات ثلاث ولها قواعد دستورية تحكمها.
وعندما يتحدث الحزب عن "سلطة بعبدا"، فهو يتحدث عن رئاسة الجمهورية الموجودة في قصر بعبدا، وكل الدائرة السياسية والإدارية المحيطة بالرئيس، ملمحا في انتقاداته إلى التوجهات السياسية للرئاسة، لا سيما في الملفات التي تشكل مصدر نزاع، وأولها السلاح.
وفق معادلة "حزب الله"، فهو يستخدم عبارة "السلطة" لأنه يريد في قراءته السياسية الإشارة إلى القيادة السياسية الحالية للدولة التي يختلف معها في أكثر من موقف وقرار. رئيس الجمهورية هو المحور الأول في هذه القيادة، ولا سيما في مسار المفاوضات ووقف الحرب وإنهاء سلاح الحزب.
أما في معادلة العلم السياسي، فيقول الياس: "حزب الله يمتثل لقرارات إيران، والوضع هناك حاليا عبر المفاوضات مع أميركا يبدو ضبابيا. لذا نلمس الضياع الإيراني تجاه ملف الحزب في لبنان".
شرعية جوزف عون
يريد "حزب الله" عبر اعتماده هذا المصطلح، توسيع دائرة المسؤولية إلى حد المسّ بشرعية المؤسسة الرئاسية، أو شرعية الرئيس جوزف عون.
يعلّق الياس: "الضياع الإيراني ينسحب على إرباك الحزب في علاقته بالسلطة، وعلى خطابه تجاهها. تارة يعتبرها شرعية، وطورا مقصرّة. مرة يصفها بالمتعاملة أو العميلة، ومرة يملي عليها توجيهات ويصدر مطالب وكأنها المسؤولة عما حصل، من خلال إيواء النازحين، وردع إسرائيل وغير ذلك. إنه ضياع إيراني مطلق ينعكس على الموقف السياسي لـ"حزب الله"، وفيه تأكيد للمؤكد أن الحزب فصيل إيراني بامتياز".
في السابق، كثيرة هي القوى السياسية التي كانت تحصر خلافها مع الحكم باستخدامها عبارة "السلطة"، أو "المنطومة"، فهو توصيف سياسي بأكثر من مدلول.
ولكن، إذا كان "حزب الله" اليوم لا يؤمن بهذه السلطة، أو يعتبرها لا تمثلّه، فلمَ يعترف بها ويغدق عليها سلسلة مطالب يريد تنفيذها بالكامل؟ أليس في الأمر انفصام؟
وفق منظور الحزب، فهو شارك في الانتخابات النيابية والحكومات المتعاقبة منذ عام 1994، وكان له وزراء ونواب على مر العهود، وينظر إلى نفسه على أنه قوة سياسية وازنة. إنه إرباك يتجلّى عبر الانفصال الحاد عن الواقع، لا بل تصل المعادلة أحيانا إلى حدّ السوريالية. هكذا، يختلف "حزب الله" مع السلطة ويريد منها القيام بواجباتها تجاهه... حتى بعدما ورّطها هو في الحرب!