بعد 111 عاماً على الإبادة... كيف حافظ الأرمن في لبنان على هويتهم؟
111 عاماً انقضت على الإبادة الأرمنية، أو بالأحرى على أول إبادة جماعية في القرن العشرين، حين تم القضاء على ما لا يقلّ عن 664 ألفاً، وربما ما يصل إلى 1.2 مليون أرمني، من 1.5 مليون كانوا يعيشون في زمن الإمبراطورية العثمانية. فمنذ ربيع 1915 إلى خريف 1916، قضى هؤلاء إمّا في المذابح وعمليات القتل الفردية، وإما نتيجة سوء المعاملة المنهجية والتجويع والتشريد.
عشية الذكرى، في 23 نيسان/أبريل 2026، استحضرها رئيس الجمهورية جوزف عون، محيّياً صمود الشعب الأرمني وتمسّكه بهويته وذاكرته، ومشيراً إلى أنّ "لبنان كان، منذ نشأته، ملاذاً آمناً للأرمن، فاحتضنهم وامتزجت دماؤهم بترابه، ليصبحوا جزءاً لا يتجزأ من نسيجه الوطني". وأكّد أنّ "اللبنانيين من أصل أرمني لم يكونوا يوماً ضيوفاً، بل هم شركاء حقيقيون في بناء البلاد وصمودها وازدهارها، وقد أسهموا في مختلف المجالات، من الاقتصاد إلى الثقافة، ومن الصناعة إلى الفن، ومن السياسة إلى التعليم".
#Opinion#
في لبنان، حيث يشكّل الأرمن نحو 4% من المجتمع، يبرز السؤال: كيف استطاعوا فعلاً الحفاظ على هويتهم وتراثهم ولغتهم رغم مرور أكثر من قرن على المأساة؟
يبدأ الجواب من النواة الأولى: العائلة. يؤكد عضو لجنة الدفاع عن القضية الأرمنية في لبنان كريكور أكمكجيان أنّ "الحفاظ على اللغة والتراث ينطلق من البيت، حيث يتحدث الطفل الأرمني لغته الأم يومياً مع أهله، فينشأ مرتبطاً بها سمعاً وتعبيراً. ثم يأتي دور المدرسة مكمّلا أساسيا، إذ تضم الساحة التربوية الأرمنية في لبنان نحو 13 مدرسة، لا تكتفي بتطبيق المنهج اللبناني، بل تدرّس أيضاً اللغة الأرمنية قراءةً وكتابةً ومحادثة، إلى جانب التاريخ الأرمني، بهدف تعزيز روح الانتماء والحفاظ على الهوية".
ولا يقتصر الأمر على التعليم النظامي، بل يمتد إلى النشاطات الاجتماعية التي تشكّل ركناً أساسياً في بناء الشخصية. فبحسب أكمكجيان، إن "العائلات الأرمنية تحرص على تسجيل أبنائها في الحركات الكشفية، والنوادي الرياضية، والجمعيات الثقافية والكنسية، بما يساهم في ترسيخ الهوية منذ الطفولة وصولاً إلى مرحلة الشباب، ويعطي الأجيال الجديدة شعوراً متجدداً بالانتماء". كذلك، تؤدي الكنيسة الأرمنية بمذاهبها الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، دوراً محورياً يتجاوز الإطار الديني، لتشكّل مساحة جامعة تشبه "العائلة الثانية"، إذ تربط بين الأفراد والجمعيات، وتواكب مختلف النشاطات الاجتماعية والثقافية والرياضية، بما يعزّز حضور المجتمع الأرمني واستمراريته.

في هذا السياق، يرى أكمكجيان أنّ "الأرمن، على رغم تمسّكهم بهويتهم، نجحوا في الاندماج إيجاباً في المجتمع اللبناني، وكانوا جزءاً فاعلاً من نسيجه الوطني"، مشيراً إلى أنهم "موجودون في لبنان منذ ما قبل الإبادة وحتى قبل قيام دولة لبنان الكبير وقبل استقلال الجمهورية الأرمنية، وتوزّعوا في مناطق عدّة أبرزها برج حمود، المتن، عنجر، زحلة، بيروت وطرابلس". ويضيف: "تميّز الأرمن عبر عقود بإسهاماتهم في مجالات الحِرف، ولا سيما صياغة الذهب وصناعة الأحذية، إلى دورهم في التعليم والتجارة والحياة الأكاديمية، من دون أن ينغلقوا على أنفسهم أو يفتعلوا نزاعات، انطلاقاً من اقتناع راسخ بأن لبنان وطنهم".
أما الذاكرة، فتبقى حاضرة بقوة. وبعد أكثر من قرن، لا يزال الأرمن يتمسكون بإحياء ذكرى الإبادة، ليس بدافع الحنين إلى الماضي، بل رفضاً لمحو الحقيقة، وتشديدا على أنّ قضيتهم ليست أرمنية فقط، بل إنسانية وسياسية في آن معاً. ويشدّد أكمكجيان على أنّ غياب المحاسبة وعدم تحقيق العدالة يفتحان الباب أمام تكرار الجرائم في حقّ الإنسانية، وهذا ما يحدث في عدد من الدول، ما يجعل مطلب الاعتراف بالإبادة من تركيا، وتقديم الاعتذار والتعويض المادي والجغرافي، في صلب نضالهم المستمر.
وحتى العلم الأرمني يحمل دلالات هذه الذاكرة: الأحمر يرمز إلى دماء الشهداء، الأزرق إلى السماء الأرمنية والسلام، والبرتقالي إلى الأرض والعمل. ووفق أكمكجيان، "هو ليس مجرد راية، بل رمز للحياة والاستمرار والقيامة من الموت، وهو حاضر في كل بيت وكل قلب".
#Analysis#
وبينما تبقى ذكرى الإبادة جرحاً مفتوحاً لم يلتئم، تحوّلت لدى الأرمن من مأساة إلى قضية مستمرة للمطالبة بالعدالة، في مسيرة تؤكّد أنّ الشعوب قد تُستهدف، لكنها لا تُمحى ما دامت متمسكة بهويتها وذاكرتها.