برلين وبورتسودان: إنقاذ السودان في مواجهة استمرار الحرب
جاء المؤتمر الدولي الثالث بشأن السودان الذي اختتم أعماله في العاصمة برلين أمس الأول، ليضع الضمير العالمي أمام اختبار الحقيقة، في وقت يواجه فيه السودان الكارثة الإنسانية الأكبر في العصر الحديث.
وبينما تداعت أكثر من 55 دولة ومنظمة دولية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، وإطلاق صرخة مدوية لوقف الأعمال العدائية وإعادة الحياة إلى العمليات الإنسانية المشلولة، اختارت سلطة بورتسودان الانكفاء خلف بيان دبلوماسي مأزوم، لا يعكس فقط رفضاً لإيقاف نزيف الدم، بل يكشف عن تبلد مخيف تجاه معاناة 33 مليون إنسان يطحنهم الموت والجوع والنزوح.
وتمثل المقاربة التي طرحها مؤتمر برلين، ببنائه على مخرجات باريس ولندن، اعترافاً دولياً بأن الأزمة السودانية تجاوزت حدود النزاع المحلي لتصبح تهديداً وجودياً للأمن والسلم الإقليميين.
إن حشد 1.5 مليار يورو والتركيز على وصول المساعدات دون قيد أو شرط، يضرب في مقتل السردية المخادعة والخبيثة التي تنتهجها سلطة الأمر الواقع في بورتسودان.
هذه السلطة التي تتدثر بشعارات "السيادة الوطنية" الزائفة لتبرير حصار المدنيين ومنع الإغاثة، تثبت يوماً بعد يوم أنها منفصلة تماماً عن واقع الأرض، ولا تأبه بحيوات السودانيين: حيث المجاعة تفتك بدارفور وكردفان، وحيث أصبح السوداني لاجئاً في وطنه قبل أن يكون نازحاً في دول الجوار.
إن الموقف الرافض لمؤتمر برلين، والذي صاغته دهاليز وزارة خارجية السلطة الواقعة تحت سطوة جماعة الإخوان المسلمين، وحلفائها الإقليميين، ليس دفاعاً عن استقلال القرار الوطني، بل هو درع دبلوماسي لحماية استمرار الحرب.
فالحرب بالنسبة لهذه المجموعات هي الملاذ الأخير للبقاء، وأي مسار يؤدي إلى وقف إطلاق النار أو يُمهّد الطريق لعملية سياسية مدنية شاملة، كما نادى مؤتمر برلين، يمثل تهديداً وجودياً لمصالح تحالف العسكر والإخوان وتفكيكاً لقبضتهم الأمنية.
لذا، يُصبح الحديث عن "عدم التشاور" أو "تجاوز السيادة" مجرد ذريعة لتعطيل أي جهد دولي يضع حماية المدنيين فوق أجندتهم المتمثلة في العودة إلى الحكم على جثث الشعب السوداني.
تتجلى الفجوة الأخلاقية بوضوح عندما يضع المجتمع الدولي حماية النساء والأطفال والتحقيق في جرائم الحرب كأولوية قصوى، بينما يمعن خطاب بورتسودان في شيطنة المبادرات الدولية وتصويرها كمؤامرات!
إن السيادة الحقيقية تكمن في القدرة على حماية الشعب من الموت والجوع، لا في التمسك بكرسي الحكم فوق جماجم الشعب وركام المدن.
إن استمرار هذا النهج الإجرامي، الذي يرفض حتى سماع أصوات الضحايا التي صدح به المدنيون السودانيون المشاركون في برلين، والمتمثل في حقهم البسيط في الحياة بوقف الحرب، يؤكد أننا أمام سلطة لا تفتقر فقط للإحساس بالكارثة، بل تستثمر في هذه الكارثة لإطالة أمد بقائها.
في الختام، يظل مؤتمر برلين بارقة أمل لتدويل الحل الإنساني، في مواجهة إرادة محلية صلبة لتدويل الموت، فالعالم اليوم لا ينازع بورتسودان في السيادة المزعومة، بل يطالبها بامتلاك الحد الأدنى من الحساسية الإنسانية تجاه شعب يُباد.
وبين التزامات برلين المالية والسياسية، وبين بيانات الرفض الصادرة من بورتسودان، تظل الحقيقة المرة أن السلام في السودان لا يواجه فقط عوائق إقليمية تنظر لمصالحها على حساب حياة شعب كامل يموت بالحرب والجوع، بل يصطدم بجدار من غياب الإرادة الوطنية لدى جيش يرتبط بجماعات أيديولوجية ترى في صمت المدافع نهايتها المحتومة.