بدلة "الأستاذ" وعباءة "الجولاني": أحمد الشرع على ضفاف المشهد السوري
iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} المحامي رفيق اورى وليد غريزي
لم تكن إطلالة الرئيس السوري أحمد الشرع عبر شاشة "المشهد" مجرد مقابلة تلفزيونية روتينية يمر بها زعيم جديد؛ بل كانت بياناً رسمياً لولادة "الأستاذ" في السياسة السورية المعاصرة، ومحاولة جادة لصياغة هوية رجل الدولة المرن والواقعي الباحث عن مساحات الأمان وسط ركام إقليمي متفجر. بين دمشق وبيروت، يرتسم اليوم خيط رفيع كشفته المقابلة، خيط يربط بين رغبة دمشق الحالية في النأي بنفسها عن حروب الآخرين، وبين هواجس داخلية ومؤشرات خارجية تضع العهد السوري الجديد أمام اختبار النوايا والممكنات.
لسنوات طويلة، حُكمت العلاقات السورية اللبنانية بـ"عقدة ذنب" وفظائع تاريخية ارتكبها نظام الأسد البائد، فظائع دفع ثمنها الشعبان السوري واللبناني دماً، واغتيالات، وتغييباً، ووصاية أمنية خانقة قيدت أنفاس بيروت.
أما الصورة التي نتمناها اليوم، وتلوح في أفق "سوريا الجديدة"، فهي علاقة ندية قائمة على احترام السيادة والمصالح الاقتصادية المشتركة، بعيداً عن منطق "الفرع الأمني" أو إملاءات الوصاية. والشرع التقط هذا الخيط بذكاء، محاولاً تقديم نسخة سورية مُطهرة من خطايا الماضي، واعداً بدور إيجابي يبني ولا يهدم، ويدعم المؤسسات اللبنانية الرسمية بدل تفتيتها.
هذا النفس البراغماتي يتبدى بوضوح في الرسالة الأبرز والجدل الأكبر اللذين تمحورا حول الموقف من "حزب الله"؛ إذ لم يغلق الشرع الباب أمام الجلوس مع الحزب على طاولة واحدة، بل تركه موارباً بشرط التوافق ومصلحة البلدين.
في هذا الموقف تحديداً، يتشابك النقد البناء بجانبيه؛ فالجانب الإيجابي يعكس براغماتية سياسية رفيعة تدرك أن الحوار هو البديل الوحيد عن الصدام المسلح المكلف، حيث يرفض الانجرار إلى مغامرة عسكرية في لبنان لنزع سلاح الحزب نيابة عن قوى دولية، مغلقاً الباب أمام التفسيرات الخاطئة لتصريحات دونالد ترامب.
أما الجانب السلبي، فيبدو هذا الانفتاح ثقيلاً على الوجدان السوري؛ فالشرع نفسه أقرّ بوجود جرح سوري كبير لا يزال حياً جراء سنوات طويلة من نزوح وهجرة تسبب فيها تدخل حزب الله العسكري في سوريا. الجلوس مع الخصم قبل "عفو أولياء الدم" أو تقديم اعتذار تاريخي يحمل في طياته تنازلاً أخلاقياً قد يراه البعض مجحفاً، لكنه منطق الدولة الذي يرجح الحسابات الباردة على العواطف المتأججة.
وعند مقارنة هذا الخطاب بما سبقه، يظهر تباين شاسع مع إرث بشار الأسد الذي كان يخاطب لبنان من منطلق استعلائي وأمني، معتبراً إياه خاصرة رخوة تابعة لدمشق، في حين جاء خطاب الشرع عقلانياً، متزناً، ورصيناً، يعترف بالدولة اللبنانية ويسعى لـ"ممرات اقتصادية لا عسكرية".
وبالمثل، يقف خطاب الشرع على نقيض تام مع خطاب طهران وحزب الله القائم على الانتماء لـ"المحور" والجهوزية الدائمة للمواجهة؛ فهو يركز على التنمية، وإعادة الإعمار، وإصلاح المؤسسات كخيار استراتيجي وطني، معتبراً أن الصراعات العسكرية والحروب الإقليمية هي معارك صفرية يخرج منها الجميع خاسرين.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي والسياسي المحير: هل يقول الرجل ما لا يضمر، أم يضمر ما لا يقول؟ البراغماتية الشديدة التي أبداها تشير إلى أنه رجل دولة يتمرس في فن المستور السياسي، فخطابه المعلن يدعو للسلام والتنمية والحلول الديبلوماسية، لكن من المستحيل إغفال تاريخه الأيديولوجي والعسكري الطويل كقائد فصيل مسلح، وهو تاريخ يجعل المتابع يتساءل إن كانت هذه الديبلوماسية الهادئة هي قناعة راسخة ببناء سوريا المدنية الحديثة، أم أنها مجرد "تقية سياسية" وهدنة تكتيكية فرضتها شروط البقاء وإعادة الإعمار وتحصين الجبهة الداخلية المتعبة.
هذه المعضلة تنسحب أيضاً على أحداث السويداء وحراكها الأهلي المستمر، إذ تفرض تساؤلاً جوهرياً حول قدرة دمشق على تقديم ضمانات وتطمينات حقيقية للدروز ولجميع المكونات السورية بأنهم سيعيشون سواسية تحت كنف دولة الحقوق والقانون.
المقاربة الاقتصادية والتنموية التي ركز عليها الشرع تجاه السويداء وسوريا الجديدة قد تكون مدخلاً ممتازاً لبناء الثقة، وهو ما يسمح بدعوة أهل السويداء لـ"سلام الشجعان"؛ عودة طوعية مكرّمة إلى كنف دولة لا تبتز مواطنيها أمنياً، بل تحميهم اقتصادياً وحقوقياً.
والمفارقة تكمن في إمكانية إسقاط هذه المقاربة على مشكلة حزب الله في لبنان؛ فالشرع ألمح إلى ذلك عبر دعوته لإيجاد إطار عمل يستوعب جميع المكونات اللبنانية، بما فيها البيئة الشيعية، دون الدخول في معادلات صفرية. المقاربة هنا واحدة: حل المشكلات البنيوية العميقة عبر الاقتصاد والتنمية ودمج الكيانات الموازية في صلب الدولة الشرعية، سواء في دمشق أو بيروت، بدلاً من اللجوء لخيارات السحق العسكري التي أثبتت عقمها التاريخي.
أما على صعيد العلاقات الشائكة والمسار السياسي العام لـ"سوريا الجديدة" وانفتاحها على الغرب، وتحديداً قنوات الاتصال المفتوحة مع الإدارة الأمريكية الجديدة، فإنها تثير تساؤلات حاسمة حول السلام مع إسرائيل. الشرع أشار في المقابلة إلى أن أي اتفاقات لا تستند لبيئة مستقرة والتزامات حقيقية ستبقى مهتزة، وهذا الكلام لا يغلق الباب أمام السلام بقدر ما يضع له شروطاً موضوعية؛ فالمستشف من الحراك الإقليمي أن دمشق لم تعد مهتمة بشعارات "الممانعة" الميتة، وأن السلام أو التهدئة طويلة الأمد قد لا يكونان قاب قوسين أو أدنى غداً صباحاً، ولكنهما حتماً مطروحان على الطاولة السورية كجزء من صفقة كبرى مرتقبة لإعادة إعمار البلاد وتثبيت شرعية الحكم الجديد دولياً.
ختاماً، لا يسع المراقب إلا أن يسجل إعجابه بالأسلوب والمظهر الذي أطل به أحمد الشرع كرجل دولة مرن، متزن، رصين، وحكيم، يستمع جيداً، ويجيب بهدوء واثق، مستخدماً لغة تجمع بين فصحى السياسة وعامية الشارع السوري ليقترب من ناسه. لقد نجح في خلع عباءة الماضي العسكري وارتداء بدلة الدبلوماسية بامتياز، ومع ذلك، تظل الأسئلة معلقة في فضاء الشك المبرر: هل تمنع رئيس سوريا الجديدة عن قول ما يضمر حقيقة؟ وهل هذه الحكمة المفرطة هي الحقيقة كاملة، أم أنها مجرد قشرة خارجية ذكية تخفي وراءها غابة من الحسابات المعقدة والأسرار التي لم يحن وقت كشفها بعد؟ الأيام وحدها كفيلة بترجمة هذا الخطاب المتزن إلى سياسات ملموسة على الأرض.
لم تكن إطلالة الرئيس السوري أحمد الشرع عبر شاشة "المشهد" مجرد مقابلة تلفزيونية روتينية يمر بها زعيم جديد؛ بل كانت بياناً رسمياً لولادة "الأستاذ" في السياسة السورية المعاصرة، ومحاولة جادة لصياغة هوية رجل الدولة المرن والواقعي الباحث عن مساحات الأمان وسط ركام إقليمي متفجر. بين دمشق وبيروت، يرتسم اليوم خيط رفيع كشفته المقابلة، خيط يربط بين رغبة دمشق الحالية في النأي بنفسها عن حروب الآخرين، وبين هواجس داخلية ومؤشرات خارجية تضع العهد السوري الجديد أمام اختبار النوايا والممكنات.
لسنوات طويلة، حُكمت العلاقات السورية اللبنانية بـ"عقدة ذنب" وفظائع تاريخية ارتكبها نظام الأسد البائد، فظائع دفع ثمنها الشعبان السوري واللبناني دماً، واغتيالات، وتغييباً، ووصاية أمنية خانقة قيدت أنفاس بيروت.
أما الصورة التي نتمناها اليوم، وتلوح في أفق "سوريا الجديدة"، فهي علاقة ندية قائمة على احترام السيادة والمصالح الاقتصادية المشتركة، بعيداً عن منطق "الفرع الأمني" أو إملاءات الوصاية. والشرع التقط هذا الخيط بذكاء، محاولاً تقديم نسخة سورية مُطهرة من خطايا الماضي، واعداً بدور إيجابي يبني ولا يهدم، ويدعم المؤسسات اللبنانية الرسمية بدل تفتيتها.
هذا النفس البراغماتي يتبدى بوضوح في الرسالة الأبرز والجدل الأكبر اللذين تمحورا حول الموقف من "حزب الله"؛ إذ لم يغلق الشرع الباب أمام الجلوس مع الحزب على طاولة واحدة، بل تركه موارباً بشرط التوافق ومصلحة البلدين.
في هذا الموقف تحديداً، يتشابك النقد البناء بجانبيه؛ فالجانب الإيجابي يعكس براغماتية سياسية رفيعة تدرك أن الحوار هو البديل الوحيد عن الصدام المسلح المكلف، حيث يرفض الانجرار إلى مغامرة عسكرية في لبنان لنزع سلاح الحزب نيابة عن قوى دولية، مغلقاً الباب أمام التفسيرات الخاطئة لتصريحات دونالد ترامب.
أما الجانب السلبي، فيبدو هذا الانفتاح ثقيلاً على الوجدان السوري؛ فالشرع نفسه أقرّ بوجود جرح سوري كبير لا يزال حياً جراء سنوات طويلة من نزوح وهجرة تسبب فيها تدخل حزب الله العسكري في سوريا. الجلوس مع الخصم قبل "عفو أولياء الدم" أو تقديم اعتذار تاريخي يحمل في طياته تنازلاً أخلاقياً قد يراه البعض مجحفاً، لكنه منطق الدولة الذي يرجح الحسابات الباردة على العواطف المتأججة.
وعند مقارنة هذا الخطاب بما سبقه، يظهر تباين شاسع مع إرث بشار الأسد الذي كان يخاطب لبنان من منطلق استعلائي وأمني، معتبراً إياه خاصرة رخوة تابعة لدمشق، في حين جاء خطاب الشرع عقلانياً، متزناً، ورصيناً، يعترف بالدولة اللبنانية ويسعى لـ"ممرات اقتصادية لا عسكرية".
وبالمثل، يقف خطاب الشرع على نقيض تام مع خطاب طهران وحزب الله القائم على الانتماء لـ"المحور" والجهوزية الدائمة للمواجهة؛ فهو يركز على التنمية، وإعادة الإعمار، وإصلاح المؤسسات كخيار استراتيجي وطني، معتبراً أن الصراعات العسكرية والحروب الإقليمية هي معارك صفرية يخرج منها الجميع خاسرين.
وهنا يبرز السؤال الفلسفي والسياسي المحير: هل يقول الرجل ما لا يضمر، أم يضمر ما لا يقول؟ البراغماتية الشديدة التي أبداها تشير إلى أنه رجل دولة يتمرس في فن المستور السياسي، فخطابه المعلن يدعو للسلام والتنمية والحلول الديبلوماسية، لكن من المستحيل إغفال تاريخه الأيديولوجي والعسكري الطويل كقائد فصيل مسلح، وهو تاريخ يجعل المتابع يتساءل إن كانت هذه الديبلوماسية الهادئة هي قناعة راسخة ببناء سوريا المدنية الحديثة، أم أنها مجرد "تقية سياسية" وهدنة تكتيكية فرضتها شروط البقاء وإعادة الإعمار وتحصين الجبهة الداخلية المتعبة.
هذه المعضلة تنسحب أيضاً على أحداث السويداء وحراكها الأهلي المستمر، إذ تفرض تساؤلاً جوهرياً حول قدرة دمشق على تقديم ضمانات وتطمينات حقيقية للدروز ولجميع المكونات السورية بأنهم سيعيشون سواسية تحت كنف دولة الحقوق والقانون.
المقاربة الاقتصادية والتنموية التي ركز عليها الشرع تجاه السويداء وسوريا الجديدة قد تكون مدخلاً ممتازاً لبناء الثقة، وهو ما يسمح بدعوة أهل السويداء لـ"سلام الشجعان"؛ عودة طوعية مكرّمة إلى كنف دولة لا تبتز مواطنيها أمنياً، بل تحميهم اقتصادياً وحقوقياً.
والمفارقة تكمن في إمكانية إسقاط هذه المقاربة على مشكلة حزب الله في لبنان؛ فالشرع ألمح إلى ذلك عبر دعوته لإيجاد إطار عمل يستوعب جميع المكونات اللبنانية، بما فيها البيئة الشيعية، دون الدخول في معادلات صفرية. المقاربة هنا واحدة: حل المشكلات البنيوية العميقة عبر الاقتصاد والتنمية ودمج الكيانات الموازية في صلب الدولة الشرعية، سواء في دمشق أو بيروت، بدلاً من اللجوء لخيارات السحق العسكري التي أثبتت عقمها التاريخي.
أما على صعيد العلاقات الشائكة والمسار السياسي العام لـ"سوريا الجديدة" وانفتاحها على الغرب، وتحديداً قنوات الاتصال المفتوحة مع الإدارة الأمريكية الجديدة، فإنها تثير تساؤلات حاسمة حول السلام مع إسرائيل. الشرع أشار في المقابلة إلى أن أي اتفاقات لا تستند لبيئة مستقرة والتزامات حقيقية ستبقى مهتزة، وهذا الكلام لا يغلق الباب أمام السلام بقدر ما يضع له شروطاً موضوعية؛ فالمستشف من الحراك الإقليمي أن دمشق لم تعد مهتمة بشعارات "الممانعة" الميتة، وأن السلام أو التهدئة طويلة الأمد قد لا يكونان قاب قوسين أو أدنى غداً صباحاً، ولكنهما حتماً مطروحان على الطاولة السورية كجزء من صفقة كبرى مرتقبة لإعادة إعمار البلاد وتثبيت شرعية الحكم الجديد دولياً.
ختاماً، لا يسع المراقب إلا أن يسجل إعجابه بالأسلوب والمظهر الذي أطل به أحمد الشرع كرجل دولة مرن، متزن، رصين، وحكيم، يستمع جيداً، ويجيب بهدوء واثق، مستخدماً لغة تجمع بين فصحى السياسة وعامية الشارع السوري ليقترب من ناسه. لقد نجح في خلع عباءة الماضي العسكري وارتداء بدلة الدبلوماسية بامتياز، ومع ذلك، تظل الأسئلة معلقة في فضاء الشك المبرر: هل تمنع رئيس سوريا الجديدة عن قول ما يضمر حقيقة؟ وهل هذه الحكمة المفرطة هي الحقيقة كاملة، أم أنها مجرد قشرة خارجية ذكية تخفي وراءها غابة من الحسابات المعقدة والأسرار التي لم يحن وقت كشفها بعد؟ الأيام وحدها كفيلة بترجمة هذا الخطاب المتزن إلى سياسات ملموسة على الأرض.