انخفاض المحروقات في المغرب .. "انفراج مؤقت" أم بداية مسار تنازلي؟
فتحت مستجدات سوق المحروقات في المغرب، التي حملت أول خفض لسعر اللتر من “الغازوال” والبنزين بدرهم واحدٍ مع مطلع شهر ماي الجاري، نافذة آمال عريضة بين المستهلكين المغاربة بشأن احتمالات حدوث انخفاضات جديدة لاحقة، إلّا أن محللين اقتصاديين وخبراء في الطاقة أبدوا نوعا من “التفاؤل الحذر” تجاه ذلك.
وتفاعل محللون اقتصاديون مع تغيّر لوحات تسعير مواد المحروقات في مضخات الوقود بالمغرب، راسمين سيناريوهات عدة ومآلات قد تتخذها مسارات مواد الطاقة، وهو التغير الذي يؤثر مباشرة في تكاليف النقل وفي السعر النهائي لعدد من المواد والخدمات.
هذا الانخفاض أثار تساؤلات لدى المواطنين والمهنيين حول ما إذا كان يمثل بداية لسلسلة انخفاضات متتالية أم إنه مجرد “نَفَس قصير”؛ فيما يرى مختصون أن هذا التراجع يُصنف كـ “تصحيح تقني مؤقت” وليس انفراجا هيكليا في سوق الطاقة.
أثر الانخفاض
أوضح الأستاذ الجامعي عبد الصمد ملاوي، خبير دولي في قضايا الطاقة، أن محطات الوقود في المغرب شهدت مع مطلع ماي تراجعا ملحوظا في أسعار البنزين والغازوال، قُدّر بنحو درهم واحد.
وعن أسباب محدودية أثر الانخفاض، عزا الخبير الطاقي، في تصريح لهسبريس، عدم شعور المواطن بهذا الانخفاض بشكل بنيوي إلى أربعة أسباب رئيسية؛ أوّلها آلية الدعم الحكومي، حيث تدعم الدولة قطاعات حيوية مثل غاز البوتان والكهرباء والنقل؛ فعند ارتفاع الأسعار تتحمل الدولة العبء، وعند انخفاضها تستفيد خزينة الدولة لتقليص حجم الدعم بدلا من تمرير الانخفاض مباشرة إلى المستهلك.
كما أرجع ذلك إلى “توقيت تحيين الأسعار”، فوفقا لمذكرة مجلس المنافسة، يتم تعديل الأسعار مرتين شهريا (في الفاتح والـ 16 من كل شهر)، مما يجعل الانخفاضات “تصل متأخرة إلى المواطن، بينما تكون الارتفاعات فورية غالبا”، حسب ملاوي الذي سجل أن “المخزون الوطني محدود ويتراوح غالبا بين شهرين إلى ثلاثة أشهر. وبالتالي، فإن المواد التي تباع حاليا تم شراؤها سابقا بأسعار مرتفعة، مما يصعّب خفض الأسعار تماشيا مع الانفراجات المؤقتة في السوق الدولية”.
ولفت الخبير الطاقي عينه إلى التوترات الجيو-سياسية التي تطيل الأزمة في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20% من النفط العالمي، “ما يؤثر سلبا على البنية التحتية للإنتاج والتكرير والتصدير”.
وفي حديثه، لخص الأستاذ ملاوي ثلاثة سيناريوهات محتملة لسعر الغازوال بالمغرب بناء على النماذج الرياضية وتوقعات الخبراء، موردا أن السيناريو الأول (باحتمال 70%) يهمّ “استقرار السعر ما بين 14.50 و15 درهما، مع تقلبات طفيفة مرتبطة بالأخبار الآنية”.
أما السيناريو الثاني (باحتمال 20%)، فيُتوقع عودة الأسعار إلى الارتفاع لتتجاوز 15.50 درهما وقد تصل إلى 16 درهما في حال حدوث أي تصعيد في مضيق هرمز. والسيناريو الثالث (احتمال 10%) يعني حدوث “انخفاض متتالٍ ليصل السعر إلى 13 أو 13.50 درهما، وهو سيناريو مستبعد حاليا”، في تقديره.
وعلّق قائلا: “كل هذه العوامل تجعل من الانخفاض الحالي مجرد هدوء عابر، ما لم تظهر مستجدات دولية تخفف من حدة الأزمة الطاقية العالمية”.
في سياق متصل، أكد المصرح لهسبريس أن هذه الوضعية تؤثر مباشرة على القدرة الشرائية وتغذي التضخم؛ إذ لوحظ ارتفاع تكلفة نقل المواد الاستهلاكية كالخضروات والفواكه رغم الدعم الحكومي لقطاع النقل الذي بلغ 648 مليون درهم شهريا مؤخرا.
وزاد موضحا أن “التوقعات لا تبشّر بخير مع اقتراب فصل الصيف، الذي يمثل ذروة الطلب على الطاقة لعوامل عدة: ارتفاع حركية التنقلات الداخلية وعودة المغاربة المقيمين بالخارج، زيادة استهلاك الكهرباء لتشغيل مكيفات الهواء في المنازل والمؤسسات، فضلا عن ارتفاع الطلب على المحروقات لتشغيل مضخات الري في الضيعات الفلاحية بسبب الحرارة”.
اختلال المقايسة
بدر الزاهر الأزرق، المحلل الاقتصادي الأستاذ الباحث في الاقتصاد والأعمال، تطرق لاختلالات آلية “المقايسة” وسرعة الاستجابة للسوق. وقال إن “التغيرات الحالية في أسعار المحروقات، سواء بالزيادة أو النقصان، لم تعد ترتبط بشكل تلقائي ومباشر بتقلبات الأسواق العالمية كما ينبغي”.
وفي حديثه لهسبريس، أشار الأزرق، استنادا إلى ملاحظات مجلس المنافسة، إلى أن “مبدأ المقايسة” (الارتباط بين السعر المحلي والعالمي) غير مفعّل بالشكل المطلوب؛ إذ يُلاحظ وجود تأخر ملموس في استجابة السوق المغربية لموجات الانخفاض العالمي، مقابل سرعة فائقة في مواكبة موجات الارتفاع. هذا الخلل يجعل من الانخفاضات الحالية مؤشرا غير دقيق ولا يعكس حقيقة الأوضاع في الأسواق الخارجية.
المحلل الاقتصادي عينه وصَف المرحلة الحالية بأنها مرحلة “اللايقين” أو حالة “لا حرب ولا سلم” التي ألقت بظلالها على الأسواق الدولية (جيو-سياسية اللّايقين).
وتترقب الأسواق العالمية اليوم مآل المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، خاصة في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية؛ فيما اعتبر الأزرق “الانخفاض الطفيف” الأخير في الأسعار مجرد “تعديل فني” تفرضه ظروف التذبذب الكبيرة في السوق الدولية، في انتظار ما ستسفر عنه الأوضاع.
وإجمالا، ربط الباحث الاقتصادي التوقعات القادمة بمساريْن أساسيين؛ الأول “سيناريو التصعيد: في حال استمرار الحصار أو انفجار الأوضاع مجددا، فمن المتوقع أن تتجاوز أسعار النفط حاجز 150 دولارا للبرميل”، عادّا أن هذا السيناريو “سيشكل عبئا ثقيلا ومباشرا ستحمله القدرة الشرائية المنهكة أصلا للمواطن المغربي”.
المسار الثاني هو سيناريو “الانفراج”؛ “ففي حال نجاح المفاوضات والتوصل إلى تسوية تفضي إلى فتح مضيق هرمز، فإن الأسعار ستشهد تراجعا تدريجيا. ولن يكون هذا الانخفاض حادا أو فوريا، بل سيستغرق أسابيع عدة قبل أن تعود الأسعار إلى مستوياتها السابقة المستقرة”.
The post انخفاض المحروقات في المغرب .. "انفراج مؤقت" أم بداية مسار تنازلي؟ appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.