المنافسة وقانون المحاماة

أثارت بعض المعطيات المتداولة مؤخراً حول مراسلة رئيس مجلس المنافسة لرئيس الحكومة بخصوص مشروع القانون المنظم لمهنة المحاماة، نقاشاً قانونياً ومؤسساتياً يستحق التوقف عنده، ليس فقط من زاوية مضمون المشروع، وإنما أساساً من زاوية حدود اختصاص مجلس المنافسة ومدى مشروعية تدخله في نص تشريعي يتعلق بمهنة دستورية ذات طبيعة خاصة.

لقد نص الفصل 166 من دستور المملكة المغربية على أن مجلس المنافسة هيئة مستقلة تتولى، في إطار تنظيم منافسة حرة ومشروعة، ضمان الشفافية والإنصاف في العلاقات الاقتصادية، من خلال تحليل وضبط وضعية المنافسة في الأسواق، ومراقبة الممارسات المنافية لها، وكذا محاربة الاحتكار والممارسات التجارية غير المشروعة.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح هو: هل تعتبر مهنة المحاماة سوقاً تجارية خاضعة لقواعد المنافسة بالمفهوم الاقتصادي المحض، أم أنها مرفق مهني منظم بقواعد أخلاقية وقانونية خاصة تفرض استثناءات تبررها طبيعة الرسالة التي يؤديها المحامي داخل منظومة العدالة؟

إن المحاماة ليست نشاطاً تجارياً عادياً، وإنما مهنة حرة مستقلة تضطلع بدور دستوري في حماية الحقوق والحريات وضمان الحق في الدفاع. ولذلك فإن شروط الولوج إليها، وقواعد ممارستها، وآليات تأطيرها، لا تستمد مشروعيتها من اعتبارات السوق فقط، بل من متطلبات حماية المتقاضين وضمان حسن سير العدالة وصيانة استقلال الدفاع.

وإذا كان من حق مجلس المنافسة إبداء الرأي بشأن بعض المقتضيات ذات الأثر الاقتصادي الواضح، فإن ذلك لا ينبغي أن يتحول إلى تدخل في الخيارات التشريعية المتعلقة بتنظيم المهن القانونية والقضائية، خاصة عندما تكون هذه الخيارات مرتبطة بضمانات المرفق القضائي وليس باعتبارات تجارية محضة.

إن تحديد شروط الولوج إلى مهنة المحاماة، أو وضع ضوابط خاصة لممارسة بعض الفئات المهنية لها، أو تأطير مسألة الأتعاب، لا يمكن اختزالها في منطق العرض والطلب أو في قواعد المنافسة الاقتصادية الصرفة، لأن المشرع حين يتدخل في هذه المجالات يكون بصدد تحقيق التوازن بين حرية الممارسة المهنية من جهة، ومتطلبات حماية العدالة والمتقاضين من جهة أخرى.

ومن هذا المنطلق، فإن أي رأي استشاري يصدر عن مجلس المنافسة، مهما كانت أهميته، يظل رأياً غير ملزم للسلطة التشريعية، ولا يمكن أن يشكل سنداً لتجميد المسطرة التشريعية أو تعطيل الإرادة التشريعية للبرلمان الذي يظل صاحب الاختصاص الأصيل في سن القوانين ومناقشتها والتصويت عليها.

إن استقلال المؤسسات يقتضي احترام حدود اختصاص كل مؤسسة، كما يقتضي في المقابل احترام خصوصية المهن القانونية المنظمة وعدم إخضاعها لقراءة اقتصادية مجردة قد تغفل طبيعتها الدستورية والحقوقية.

فالمحاماة ليست سلعة تباع في السوق، وإنما رسالة قبل أن تكون مهنة، وضمانة أساسية من ضمانات المحاكمة العادلة ودولة الحق والقانون. ولذلك فإن أي نقاش حول تنظيمها ينبغي أن ينطلق أولاً من مكانتها داخل منظومة العدالة، قبل البحث في انعكاساتها الاقتصادية أو التنافسية.

وعليه، فإن الحفاظ على التوازن بين مقتضيات المنافسة المشروعة ومتطلبات استقلال المهن القانونية يبقى الرهان الحقيقي الذي ينبغي أن يؤطر أي نقاش مؤسساتي حول مستقبل مهنة المحاماة بالمغرب.

-محام بهيئة الدار البيضاء

The post المنافسة وقانون المحاماة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress