المقاولة النسائية
المقاولة النسائية: من شجاعة المبادرة الفردية إلى قوة الفعل الجماعي… رهان اقتصادي ومجتمعي لمواجهة البطالة
ليست كل الثورات تبدأ من المؤسسات الكبرى، فبعضها يبدأ من فكرة صغيرة تحملها امرأة قررت أن تحول مهارة تمتلكها إلى مشروع، وأن تحول طموحها إلى مصدر دخل واستقلال اقتصادي.
اليوم، هناك آلاف النساء اللواتي يخضن تجربة المقاولة بإصرار كبير. نساء يشتغلن في مجالات مختلفة، يقدمن خدمات، يثمنّ مهاراتهن، يخلقن منتجات، ويحاولن بناء مستقبل أفضل لأنفسهن ولأسرهن.
لكن خلف هذه القصص التي تستحق التقدير، توجد حقيقة أخرى: العديد من النساء لا يحتجن فقط إلى الإرادة، بل يحتجن إلى بيئة تساعدهن على الانتقال من نشاط فردي محدود إلى مشروع اقتصادي منظم ومستدام.
فالمشكل لم يعد فقط في تشجيع المرأة على المبادرة، بل في توفير الشروط التي تمكنها من النجاح والاستمرار.
عندما يُقبل دخل المرأة، ولكن يُرفض استقلالها الاقتصادي
من بين أكبر التناقضات التي تواجهها بعض النساء المقاولات أن مساهمتهن المالية قد تكون مقبولة، بل مطلوبة داخل الأسرة، بينما قد يواجهن صعوبة عندما يتعلق الأمر باستقلالهن المهني وظهورهن كصاحبات مشاريع.
فقد نجد امرأة تشتغل في الخفاء، تقوم بإعداد مأكولات منزلية، أو تمارس نشاطاً تجارياً صغيراً، أو تقدم خدمات مختلفة من داخل منزلها، وتساهم بذلك في دخل الأسرة.
لكن عندما ترغب هذه المرأة في تطوير نشاطها، والانتقال إلى مشروع رسمي، أو المشاركة في تكوين، أو حضور لقاءات مهنية، أو بناء شبكة علاقات، قد تظهر أحياناً بعض العراقيل الاجتماعية.
قد يأتي هذا الرفض من الزوج الذي قد يرى أحياناً أن خروج المرأة إلى فضاءات التكوين والعمل المهني قد يغير التوازنات التقليدية داخل الأسرة، وقد يأتي من الحماة أو المحيط العائلي الذي قد يعتبر أن دور المرأة يجب أن يبقى محصوراً في إطار معين.
المفارقة هنا أن البعض قد يقبل بالمال الذي توفره المرأة، لكنه لا يقبل دائماً بالشروط التي تمكنها من بناء استقلاليتها الاقتصادية.
إن نجاح المرأة لا يجب أن يُنظر إليه كتهديد للأسرة، بل كقيمة مضافة لها. فالمرأة المستقلة اقتصادياً لا تهدم الأسرة، بل تساهم في تعزيز استقرارها وقدرتها على مواجهة تحديات الحياة.
أحياناً تحتاج المرأة إلى المعلومة قبل التمويل
عندما نتحدث عن دعم النساء المقاولات، غالباً ما نركز على التمويل، لكن هناك عائق آخر لا يقل أهمية: غياب المعلومة.
هناك نساء يمتلكن أفكاراً ومهارات، لكنهن لا يعرفن البرامج المتوفرة، ولا الجهات التي يمكن أن تساعدهن، ولا كيفية الاستفادة من آليات الدعم والتكوين والمواكبة.
أحياناً لا تحتاج المرأة إلى موارد مالية كبيرة في البداية، بل تحتاج إلى شخص يشرح لها الطريق، يوجهها نحو البرنامج المناسب، يساعدها على فهم الإجراءات، أو يمنحها الثقة من خلال الاستماع إلى قصة نجاح امرأة أخرى مرت من نفس الظروف.
إن نشر ثقافة المقاولة لا يكون فقط عبر إطلاق البرامج، بل عبر ضمان وصول المعلومة إلى النساء اللواتي يحتجن إليها.
من المبادرة الفردية إلى القوة الجماعية
لا يمكن بناء مقاولة نسائية قوية إذا بقيت كل امرأة تواجه التحديات بمفردها.
فالعمل الفردي يجعل المرأة أكثر عرضة للصعوبات المرتبطة بالتمويل، والتسويق، والتكوين، والوصول إلى الأسواق.
لهذا أصبح الانتقال إلى العمل الجماعي ضرورة استراتيجية.
فالتعاونيات يمكن أن تشكل فضاءً مهماً لتجميع جهود النساء، وتقاسم الموارد، وتحسين الإنتاج، وتقوية القدرة على التسويق.
كما تلعب الجمعيات المهنية دوراً أساسياً في التأطير والمواكبة، من خلال تنظيم التكوينات، وتقديم الاستشارة، وربط النساء بالمؤسسات والبرامج المتاحة.
أما الأحزاب السياسية، فمسؤوليتها لا يجب أن تقتصر على التأطير الانتخابي، بل يمكن أن تقوم بدور مهم في تأطير النساء المقاولات، والاستماع إلى مشاكلهن، وتنظيم لقاءات للتكوين والتوجيه، والمساهمة في نقل انتظاراتهن إلى مستوى السياسات العمومية.
فالتنمية لا تتحقق فقط بوجود البرامج، بل بوجود وسطاء قادرين على إيصالها إلى المستفيدات الحقيقيات.
التمويل والعقار: أساس بناء مشروع مستدام
لا يمكن الحديث عن استقلال اقتصادي حقيقي للمرأة دون الحديث عن وسائل الإنتاج.
فالعديد من النساء يواجهن صعوبة في تطوير مشاريعهن بسبب ضعف القدرة على الوصول إلى التمويل، خاصة عندما لا تتوفر لديهن ضمانات كافية.
ويبرز هنا موضوع العقار كأحد العناصر الأساسية. فكيف يمكن مطالبة امرأة ببناء مشروع مستدام إذا كانت لا تتوفر على فضاء مهني مؤمن قانونياً أو على أصل اقتصادي يمكن أن يشكل دعامة لمشروعها؟
إن امتلاك العقار أو توفر حقوق واضحة عليه يمكن أن يشكل عاملاً مهماً في تعزيز الثقة، وتسهيل الولوج إلى التمويل، والانتقال من نشاط محدود إلى مقاولة منظمة.
لذلك فإن تمكين المرأة اقتصادياً يجب أن يشمل أيضاً تسهيل ولوجها إلى الموارد الإنتاجية، وليس فقط دعوتها إلى المبادرة.
هل سن الأربعين معيار عادل لكل النساء؟
من بين النقاط التي تحتاج إلى مراجعة أيضاً بعض شروط الاستفادة من برامج دعم المقاولات، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالحد الأقصى للسن، والذي يصل في بعض البرامج إلى 40 سنة.
إن اعتماد سن محدد قد يكون مفهوماً من الناحية الإدارية، لكنه لا يأخذ دائماً بعين الاعتبار خصوصية المسار الحياتي للمرأة.
فالمرأة قد تخصص جزءاً مهماً من سنوات شبابها للزواج، الحمل، الإنجاب وتربية الأطفال. وهذه ليست فترة ضائعة، بل مسؤولية اجتماعية وتضحيات أسرية لها قيمة كبيرة.
لكن هذه المرحلة قد تؤثر أحياناً على توقيت انطلاق المرأة في مسارها المهني أو تطوير مشروعها.
لذلك فإن أخذ الطبيعة البيولوجية للمرأة بعين الاعتبار لا يعني اختزالها في دور الأمومة، بل يعني الاعتراف بأن مسارها قد يكون مختلفاً ويحتاج إلى سياسات أكثر مرونة.
فالمرأة التي تبدأ مشروعها بعد الأربعين ليست امرأة متأخرة. قد تكون أكثر نضجاً، وأكثر خبرة، وأكثر قدرة على اتخاذ القرارات المناسبة لإنجاح مشروعها.
لهذا يجب أن يكون تقييم المشاريع مبنياً على الكفاءة، وقابلية المشروع للنجاح، وليس فقط على معيار السن.
دعم النساء هو استثمار في محاربة البطالة
إذا أردنا تحقيق نسب أقل من البطالة، فعلينا أن نبدأ باستثمار كل الطاقات المتاحة داخل المجتمع، وفي مقدمتها طاقات النساء.
فالمرأة التي تنجح في إنشاء مشروع لا تحقق فقط استقلالها الاقتصادي، بل قد تصبح مصدر دخل وفرص عمل لنساء ورجال آخرين.
إن المقاولة النسائية ليست قضية اجتماعية فقط، بل هي قضية اقتصادية وتنموية.
المطلوب اليوم ليس فقط أن نطلب من المرأة أن تكون أكثر شجاعة، فقد أثبتت النساء شجاعتهن في مواجهة الكثير من التحديات. المطلوب هو بناء منظومة تجعل هذه الشجاعة تتحول إلى نجاح.
فالمرأة المقاولة تحتاج إلى المعلومة، والتكوين، والمواكبة، والتمويل، والثقة.
وعندما نساعد امرأة على بناء مشروع ناجح، فنحن لا ندعم فرداً واحداً فقط، بل نستثمر في أسرة، وفي اقتصاد، وفي مستقبل مجتمع كامل.
إن تمكين النساء اقتصادياً ليس امتيازاً يمنح لهن، بل هو اختيار استراتيجي لبناء تنمية أكثر قوة وعدلاً واستدامة.
The post المقاولة النسائية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.