سوالف محنكين | من قتل الأقراص؟ سوني أم GTA 6؟
هل انتهى عصر الأقراص؟ سؤال بدا قبل سنوات وكأنه مبالغة أو تنبؤ بعيد، لكنه اليوم أصبح أقرب من أي وقت آخر إلى الواقع، خصوصًا بعد إعلان سوني إنهاء إنتاج الأقراص المادية للألعاب الجديدة ابتداءً من عام 2028، إلى جانب التأكيد على أن النسخة الفيزيائية من GTA 6 ستُطرح دون قرص فعلي، مكتفيةً برمز تحميل رقمي يُستخدم مرة واحدة فقط داخل العلبة. إليكم سوالف محنكين | من قتل الأقراص؟ سوني أم GTA 6؟
اليوم أعلنت Sony رسميًا أن جميع الألعاب الجديدة الصادرة على منصات PlayStation بعد يناير 2028 ستتوفر بصيغ رقمية فقط، سواء عبر متجر PlayStation Store أو من خلال متاجر التجزئة التي ستبيع بطاقات ورموز تحميل بدلًا من الأقراص التقليدية. ورغم أن القرار لن يؤثر على الألعاب التي صدرت أو ستصدر قبل هذا التاريخ بنسخ مادية، فإنه يمثل دون شك أكبر تحول تشهده الصناعة منذ انتقالها من الكارتريدج إلى الأقراص المدمجة في تسعينيات القرن الماضي.
لماذا ترتبط GTA 6 مباشرة بهذا التحول؟
اللافت بالنسبة لي أن توقيت هذا القرار يجعل من الصعب تجاهل ارتباطه بـGTA 6. فقبل إعلان سوني، روكستار أعلنت أن النسخة الفيزيائية من اللعبة ستُطرح دون قرص فعلي، مكتفيةً برمز تحميل رقمي داخل العلبة. وبالنسبة للعبة بحجم GTA 6، فإن الأمر لا يتعلق بتغيير طريقة التوزيع أو النشر يعني فحسب، وإنما بتغيير مفهوم النسخة الفيزيائية نفسه؛ إذ سيحصل اللاعب على صندوق يمكن اقتناؤه، لكنه لن يمتلك وسيطًا ماديًا مستقلًا يمكنه إعارتُه أو إعادة بيعِه لاحقًا كما كان الحال مع الأقراص لعقود طويلة.
ومن وجهة نظري، فإن اعتماد GTA 6 لهذا النموذج يمنحه تأثيرًا يتجاوز مجرد كونه خيارًا تقنيًا أو لوجستيًا. فنحن نتحدث عن أكثر لعبة منتظرة في الصناعة بأكملها خلال السنوات الأخيرة (أنا حرفيًا لستُ أُبلغ)، ولعبة قادرة تاريخيًا على فرض اتجاهات جديدة على السوق. وإذا نجحت التجربة تجاريًا دون مقاومة تُذكر من اللاعبين، فقد تصبح GTA 6 اللحظة التي تنتقل فيها الصناعة فعليًا من مرحلة تراجع الأقراص إلى مرحلة التخلي عنها بصورة شبه كاملة.
هل لعبت سوني دورًا في قرار Rockstar؟
السؤال الأهم هنا في مقالتنا “من هو الجاني؟”هل كانت Rockstar صاحبة القرار بالكامل؟ أم أن سوني لعبت دورًا في توجيه الأمور نحو هذا المسار؟
من الصعب الجزم بذلك، لكن من غير المستبعد أن يكون هناك قدر من التنسيق، أو حتى نوع من الضغط غير المباشر. فخلال الفترة الماضية أشار دعم Rockstar إلى أن اللعبة ستحصل على إصدار فيزيائي، وهو ما دفع البعض للاعتقاد بوجود أقراص فعلية داخل العلب. لكن لاحقًا أوضح كثيرون أن المقصود كان إصدارًا فيزيائيًا بالمعنى التجاري فقط، أي صندوقًا يحتوي على رمز تحميل وليس قرصًا.
ومن وجهة نظري المتواضعة، يبقى هناك احتمال يصعب تجاهله. هل كانت هناك نية حقيقية لإصدار الأقراص في البداية، ثم تغيّر القرار لاحقًا؟ أم أن سوني، إن صح التعبير، أرادت توجيه رسالة مبكرة للسوق مفادها أن مستقبل PlayStation رقمي بالكامل، وأن إصدار أكبر لعبة في هذا الجيل على قرص مادي لم يعد يتماشى مع هذا التوجه، ولذلك ربما ضغطت على Rockstar وجعلتها تتراجع عن فكرة إصدار اللعبة على قرص فعلي؟
بطبيعة الحال، يبقى هذا مجرد تحليل شخصي وليس معلومة مؤكدة، لكنه لا يبدو مستبعدًا تمامًا، خاصة كما ذكرت لك في البداية أن سوني أعلنت رسميًا إنهاء إنتاج الأقراص ابتداءً من عام 2028، وأن كثيرًا من التوقعات تشير إلى أن PS6 سيعتمد بصورة شبه كاملة على المتجر الرقمي، أو سيكون جهازًا رقميًا بالكامل من الأساس.
الصناعة تتحرك نحو المستقبل الرقمي
لكن بعيدًا عن كل ما ذكرته، فإن الأرقام الحالية تُظهر أن الصناعة كانت تسير في هذا الاتجاه منذ سنوات، لكنها –إن جاز التعبير– لم تكن تمتلك الجرأة الكافية لاتخاذ الخطوة الأخيرة بشكل صريح. فالإصدارات الرقمية من PS5 أصبحت تشكل نسبة كبيرة من المبيعات، كما أن أكثر من نصف أجهزة Xbox Series المباعة جاءت دون قارئ أقراص. وفي المقابل، تواصل الشركات دفع المستخدمين نحو الاشتراكات والخدمات الرقمية، سواء عبر Game Pass أو PlayStation Plus أو المتاجر الإلكترونية الخاصة بها.
إضافةً إلى ذلك، فإن الاحتفاظ بكامل العائدات دون الحاجة إلى مشاركة الأرباح مع متاجر التجزئة يُعد مكسبًا كبيرًا للشركات. فالربح والتوفير يظلان في النهاية من أهم أولويات أي شركة، لذلك فإن التحول الرقمي يوفّر مزايا اقتصادية كبيرة لهم.
هل نخسر الأقراص أم نخسر فكرة امتلاك ألعابنا؟
أشعر أن القضية الحقيقية لا تتعلق بسهولة الوصول إلى الألعاب بقدر ما تتعلق بفكرة الملكية نفسها. فمع الأقراص كنا نمتلك نسخة يمكن الاحتفاظ بها أو إعارتها أو إعادة بيعها متى شئنا. أما اليوم، فنحن لا نشتري اللعبة بالمعنى التقليدي، وإنما نحصل على ترخيص استخدام مرتبط بحسابنا وبسياسات المنصة، وقد نفقده في أي وقت.
وفي المقابل، لم تعد الأقراص تؤدي الدور الذي كانت تؤديه قبل سنوات. فالألعاب أصبحت أكبر حجمًا من أي وقت، وبعضها يتطلب تحديثات ضخمة قبل تشغيله، بينما تحولت النسخ المادية في كثير من الأحيان إلى مجرد وسيلة لبدء التحميل من الإنترنت.
ختامًا
سواء اتفقنا مع هذا التحول أو رفضناه، يبدو أن الصناعة اتخذت قرارها بالفعل. وما يحدث مع GTA 6 وسوني قد لا يكون سوى بداية مرحلة جديدة يصبح فيها اقتناء الألعاب مختلفًا تمامًا عما اعتدناه طوال العقود الماضية.