المغرب ينجح في موازنة استقطاب الاستثمارات الصينية والشراكات التقليدية
في مشهد دولي يعيد رسم خرائط القوة وفق منطق متعدد الأقطاب، واشتداد التنافس الدولي، يسعى المغرب إلى الاستفادة من موقعه الجيو-سياسي الفريد واستقراره النادر في محيط مضطرب، لجلب الاستثمارات الدولية، ومنها الصينية التي لم تعد تقتصر على الأسواق التقليدية، بل امتدت إلى صناعات السيادة كبطاريات السيارات الكهربائية والطاقات المتجددة، الشيء الذي يسائل مدى قدرة الرباط على إدارة هذا التوافد الهائل لرأس المال الصيني، ومعه التدافع الدولي بين الشرق والغرب، دون أن تخل بتوازناتها التاريخية مع أوروبا والمعسكر الغربي.
ويرى مهتمون أن الاستثمار الصيني في المغرب يتجاوز منطق الاستثمار التقليدي إلى إعادة هندسة كاملة لسلاسل الإمداد العالمية، جاعلة من المملكة قاعدة تصنيع متقدمة ومنصة قانونية للالتفاف على القيود الجمركية الأوروبية والأمريكية، مشددين في الوقت ذاته على أهمية بناء مصالح متشابكة ومتكافئة مع جميع القوى الكبرى في العالم، دون السقوط في فخ التبعية أو الانغلاق.
تحولات جيو-سياسية وقوة سيادية
في هذا الصدد، أكد هشام معتضد، باحث في الشؤون الاستراتيجية، أن “ما تقوم به بكين اليوم داخل المملكة يندرج ضمن إعادة هندسة واسعة لسلاسل الإمداد العالمية، فرضتها التحولات الجيو-سياسية المتسارعة، من الحرب التجارية مع الولايات المتحدة إلى هشاشة سلاسل الإنتاج بعد جائحة كوفيد والتوترات في الممرات البحرية. فالصين لم تعد تبحث فقط عن أسواق لتصريف منتجاتها، بل عن منصات إنتاج مستقرة وقريبة من مراكز الاستهلاك الكبرى، وهنا تحديدا يبرز المغرب كأحد أكثر المواقع الجيو-اقتصادية جاذبية في جنوب المتوسط”.
وأضاف قائلا: “حين نستحضر الاهتمام الصيني المتزايد بقطاعات مثل بطاريات السيارات الكهربائية، والصناعة المرتبطة بالطاقة النظيفة، فإننا لا نتحدث عن استثمارات معزولة، بل عن رهان استراتيجي على المستقبل الصناعي العالمي”، مبرزا أن “بكين تدرك أن المنافسة الكبرى خلال العقود المقبلة لن تكون فقط على النفط أو الغاز، بل على من يتحكم في سلسلة القيمة الخاصة بالتحول الطاقي: الليثيوم، الكوبالت، البطاريات، السيارات الكهربائية، والهيدروجين الأخضر.
والمغرب، بما يمتلكه من موقع جغرافي قريب من أوروبا، واتفاقيات تجارة حرة، وبنية لوجستية متقدمة، ومؤهلات صناعية متنامية، يتحول بالنسبة للصين إلى ما يشبه ‘منصة تصنيع متقدمة’ تسمح بالولوج إلى الأسواق الأوروبية والإفريقية بأقل تكلفة جيو-سياسية ممكنة”.
وشدد المصرح لهسبريس على أن “ما يميز المقاربة المغربية هو أنها لا تتعامل مع الصين بمنطق الارتهان أو الاستبدال، بل بمنطق تنويع الشركاء وتعظيم هامش الاستقلالية الاستراتيجية. فالمغرب ظل خلال العقدين الأخيرين حريصا على الحفاظ على علاقاته المتقدمة مع أوروبا والولايات المتحدة، سواء أمنيا أو اقتصاديا، وفي الوقت نفسه انفتح بقوة على قوى صاعدة مثل الصين والهند ودول الخليج. هذه ليست براغماتية ظرفية، بل فلسفة دبلوماسية تقوم على إدراك عميق لتحولات النظام الدولي، حيث لم يعد ممكنا لدولة متوسطة الحجم أن تراهن على شريك واحد في عالم متعدد مراكز القوة”.
سياسيا، أوضح معتضد أن “الرباط نجحت حتى الآن في إدارة معادلة دقيقة للغاية: الحفاظ على صفة ‘الشريك المتقدم’ مع الاتحاد الأوروبي، مع الانخراط في مبادرة ‘الحزام والطريق’ الصينية دون إثارة توتر بنيوي مع الغرب. وهذا يعود إلى أن المغرب يقدم نفسه كشريك موثوق للمنظومة الغربية أمنيا واستراتيجيا، لكنه في الآن ذاته يرفض الانغلاق الاقتصادي أو الدخول في منطق الاستقطاب الصفري”، مشددا على أن “الرهان الحقيقي للمغرب لا يكمن فقط في النجاح في التوازن بين الشركاء، بل في تحويل هذا التوازن نفسه إلى مصدر قوة سيادية. فالعالم القادم لن يكافئ الدول التي تصطف بسرعة، بل تلك التي تفهم كيف تدير التعقيد، وتبني مصالح متشابكة تجعل جميع القوى الكبرى ترى في استقرار علاقتها معها مصلحة استراتيجية لا يمكن التفريط فيها”.
تحول جذري وانتقال تدريجي
من جهته، أبرز رشيد ساري، باحث في الشؤون الاقتصادية الدولية، أن “الاستثمارات الصينية في المغرب شهدت تحولا جذريا؛ إذ لم تعد مجرد بحث عن سوق استهلاكي محدود أو منصة عبور عابرة للمنتجات نحو إفريقيا كما كان عليه الحال في الماضي، بل إننا نشهد اليوم انتقالا تدريجيا نحو جعل المملكة قاعدة تصنيع دائمة، لا سيما في قطاعات استراتيجية وحيوية تتقدمها صناعة السيارات الكهربائية، والطاقات المتجددة، والإلكترونيات المتقدمة”، معتبرا أن “الصين ترى في المغرب بوابة قانونية وآمنة للولوج إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية، مستفيدة من اتفاقيات التبادل الحر التي أبرمتها المملكة، وهو ما يمنح الاستثمارات الصينية وسيلة فعالة لتجاوز القيود الجمركية المفروضة عليها عالميا”.
وأضاف ساري، في تصريح لهسبريس، أن “المنظور الصيني الجديد لإعادة تشكيل سلاسل التوريد بعد جائحة كورونا جعل من المغرب ركيزة أساسية. ويتجلى ذلك بوضوح في خارطة المصالح الاقتصادية الصينية المتنامية بالمملكة، التي تشمل مشاريع ضخمة في قطاع السيارات الكهربائية والبطاريات، أبرزها مشروع Gotion High-Tech لإنشاء مصنع للبطاريات قرب العاصمة الرباط بقيمة تناهز مليارا و300 مليون دولار، فضلا عن إنشاء مصانع متخصصة في مكونات الكاثود والأنود بالاعتماد على الفوسفاط المغربي”.
في سياق متصل، أكد الباحث ذاته أن “قطاع الطاقات المتجددة يشهد دينامية كبرى بنشاط أكثر من 150 شركة صينية في مشاريع الطاقة الريحية والشمسية، مما يساهم بشكل مباشر في دعم الطموح المغربي المتمثل في توليد 52 في المائة من احتياجاته الطاقية من مصادر متجددة بحلول عام 2030″، مبرزا أن “الشراكة المغربية الصينية تمتد أيضا لتشمل تطوير البنية التحتية من طرق وموانئ، حيث تساهم الصين أيضا في التحضيرات الجارية لاحتضان كأس العالم 2030. ويرجع هذا الاختيار الصيني إلى المؤهلات اللوجستية الفريدة التي يمتلكها المغرب، والتي تجعل من المملكة نقطة وصل محورية تربط الصين ليس بالقارة الإفريقية فحسب، بل بمختلف دول العالم”.
وخلص ساري إلى أن “المغرب هو تلك النقطة التي تصل الصين بمجموعة من الدول، ولكن يجب التأكيد على أن هناك مخاطر وتحديات مرتبطة بخطر التبعية إلى بكين والحد من القدرات المحلية، وبالتالي يجب أن تؤخذ التعاملات أو العلاقات الاقتصادية والصناعية مع الصين بحذر، وأن يتم استغلال العلاقات مع الصينيين لتطوير الكفاءة الوطنية في المجال الصناعي”.
The post المغرب ينجح في موازنة استقطاب الاستثمارات الصينية والشراكات التقليدية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.