المرفق العمومي… حين تتحوّل الخدمة إلى “غنيمة”
في بلادٍ يُفترض أن يكون فيها المرفق العمومي مرآةً لهيبة الدولة وضميرها الحيّ، يبدو أن بعض المكاتب الإدارية بمرافقها قررت أن تتحول إلى ما يشبه “دكاكين موسمية” تُفتح لخدمة من يعرف الطّريق المختصر، وتُغلق في وجه من جاء يحمل ملفا فقط دونما “توصية” أو “إشارة خضراء” من خلف الستار. فلا تُقاس الكفاءة بسرعة الإنجاز، بل بمرونة الجيب، ولا تُقاس المسؤولية بحجم الواجب، بل بمدى القرب من دوائر النفوذ.
الموظف العمومي، في نسخته المثالية، خادم للصالح العام، يسهر على تطبيق القانون بصرامة وعدل وإنصاف واتّزان. لكن في نسخته الواقعية أحيانا، يتحول إلى “حارس مزاجي” للمرفق، يوزّع الابتسامات حسب درجة القرابة، ويؤجّل الملفات حسب “درجة الحرارة الاجتماعية” لصاحبها. أما المواطن، فيدخل الإدارة كأنّه يدخل اختبارا نفسيا: هل سيخرج بوثيقته أم بضغط دم مرتفع؟
في قطاع التعمير، على سبيل المثال لا الحصر، تتحول بعض الرّخص إلى رحلة طويلة بين “نواقص” لا تنتهي، حتّى يكتشف المرتفق أنّ الورقة الوحيدة الناقصة هي تلك التي لا تُكتب، بل تُفهم. وفي بعض الجماعات، يُصبح الحصول على خدمة بسيطة تمرينا في الصّبر، بينما تُفتح الأبواب الخلفية لمن أتقن لغة “المصالح المتبادلة”. أما الصفقات العمومية، فهناك حيث تُطبخ المشاريع على نار هادئة، وتُوزن بالكيلوغرام لا بالمعايير، ويخرج المواطن بمشروع “نصف مكتمل” ونصف الحقيقة.
ليست المشكلة في القوانين، فدفاتر النصوص عندنا ممتلئة حتّى الاختناق، بل في “العقليات الرائدة”. نعم، الرّائدة في البحث عن الغنيمة قبل الخدمة، وفي تحويل المسؤولية إلى امتياز شخصي، لا تكليف عمومي. عقليات ترى في المنصب فرصة للاغتناء الرّمزي أو المادي، بدل أن تراه منصّة لبناء الثقة وصناعة الأثر.
ولأن السّخرية أحيانا أصدق من التّقارير، يمكن القول إن بعض الإدارات طوّرت نموذجا إداريا فريدا: “الانتظار الإبداعي”. تنتظر لأنّ الموظّف في استراحة، أو في اجتماع، أو في “مهمّة”، أو ربّما في حوار داخلي مع ضميره. وإذا حالفك الحظّ، ستُطلب منك وثيقة سبق أن سلّمتها، لأنّ الأرشيف قرّر أن يعيش حياته الخاصّة.
ومع ذلك، لا يمكن تعميم الصّورة؛ فهناك نماذج مشرّفة، موظّفون عموميون يشتغلون في صمت، يربحون احترام النّاس دونما ضجيج، ويثبتون أن المرفق العمومي يمكن أن يكون فضاء للنّزاهة والنّجاعة. هؤلاء لا تظهر صورهم في “الطّوابير”، بل في نتائج ملموسة تُعيد الثّقة تدريجيا.
أخلاقيات المسؤولية في المرفق العمومي ليست شعارا يُعلّق على الجدران، بل ممارسة يومية تبدأ من احترام وقت المواطن وتنتهي بحماية المال العام. وإذا أردنا مغربا يبني عقول العباد ومستقبل البلاد، فلا بدّ من كسر الحلقة: من “خدمة الخاصّ” إلى “خدمة العامّ”، ومن “ثقافة الغنيمة” إلى “ثقافة الأمانة”، فالمرفق العمومي، في النّهاية، ليس ملكا لمن يديره، بل لمن يموّله: المواطن.