الكاتب ألكسندر نجار في حوار مع "النهار": لبنان يستعيد دولته!
iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;} يُعدّ ألكسندر نجار من الأصوات الثقافية البارزة في لبنان والعالم الفرنكوفوني، وقد نال أوسمة وجوائز أدبية عدّة، منها جائزة الفرنكوفونية الكبرى للأكاديمية الفرنسية، وجائزة آسيا للآداب، وجائزة البحر الأبيض المتوسط، وجائزة سعيد عقل، وجائزة جبران خليل جبران، وجائزة حنا واكيم عن "رواية بيروت" الصادرة عن "دار النهار للنشر".
* "النهار" كانت دائماً حاضنة للنهضة الثقافية اللبنانية. اليوم، في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، كيف يمكن للثقافة والكلمة أن تقاوم التفكك الاجتماعي والسياسي؟ هل ما زال للأدب تلك القوة التغييرية؟
- "النهار" هي أكثر من جريدة؛ إنها ذاكرة وطن، ومساحة للحرية، ومنبر للعقل النقدي، وحاضنة حقيقية للنهضة الثقافية اللبنانية. لقد تسنّى لي معرفة الأستاذين غسان وجبران تويني من قرب، ولا سيما أنني نشرت لدى دار النهار كتباً وترجمات عدة لرواياتي إلى العربية. كان الأستاذ غسان شخصية مميزة وفذّة ذات ثقافة موسوعية، يحلو الاستماع إليه والاستفادة من المعلومات الوفيرة التي كانت في جعبته. أما جبران، فكان شجاعاً مقداماً، نجح في تحديث الجريدة قبل أن يصبح شهيداً للصحافة.
في زمن الأزمات، لا تُقاس الثقافة بما تحققه على مستوى السياسة أو الاقتصاد، بل بمدى حمايتها للهوية والإنسان ورفضها لكلّ ما يهدّد الوطن. فعندما تتفكك المؤسّسات وتضعف الدولة، تصبح الكلمة آخر ما يحفظ المعنى، وآخر ما يمنع الانهيار الداخلي للمجتمع.
لنكن واقعيين: الأدب لا يغيّر العالم بشكل مباشر؛ فالكاتب أشبه بدون كيشوت الذي يواجه الطواحين، لكنه يغيّر نظرة الإنسان إلى العالم. والرواية تحديداً لا تفرض حلولاً، بل تطرح الأسئلة، وتوقظ الوعي، وتمنح القارئ قدرة على رؤية الآخر خارج منطق التعصب والانقسام.
وأخطر ما نعيشه اليوم ليس فقط الأزمة، بل اعتياد الأزمة. حين يصبح الانهيار مألوفاً، يفقد الإنسان قدرته على المقاومة. وهنا يأتي دور الثقافة: أن ترفض التطبيع مع الانهيار، وأن تبقي الأمل فعلاً فكرياً وأخلاقياً، لا مجرد شعور.
* أسست ورأست مجلات ثقافية تُعنى بالفرنكوفونية (مثل L'Orient Littéraire). كيف ترى واقع الصحافة الثقافية اليوم في لبنان والعالم العربي؟ هل تراجع دورها أمام منصات التواصل، أم أنها ما زالت خط الدفاع الأخير عن الوعي؟
- الصحافة الثقافية تحتضر، ولا سيما أن أغلب الملاحق الثقافية والأدبية توقفت. فهي تعيش اليوم تحوّلاً عميقاً بعد أن فرضت وسائل التواصل إيقاعاً سريعاً مختزلاً، فيما الثقافة بطبيعتها تحتاج إلى نمط أطول، وقراءة متأنية، وتفكير لا يخضع للانفعال اللحظيّ.
إننا بأمسّ الحاجة إلى فضاءات تحفظ العمق في زمن السطحية. الفرق اليوم لم يعد بين الورق والرقم، بل بين المعرفة الحقيقية والاستهلاك السريع للمعلومة.
عندما أطلقت "L’Orient Littéraire"، في العام 2006 كان الهدف أن يشكّل هذا الملحق مساحة حوار بين الأدب العربي والفرنكوفوني، وقد نجحنا في ذلك. كذلك، كنّا نطمح إلى أن يساهم في نهضة لبنان الثقافية، لكنّ الأحداث الأليمة التي توالت منذ 20 سنة عاكست النهضة المرجوة.
برأيي، الصحافة الثقافية ليست ترفاً، بل مقاومة فكرية ضد الجهل والتطرف والتبسيط، وضد تحويل الإنسان إلى مستهلك للصور بدل أن يكون قارئاً للمعنى.
* في رواياتك التاريخية، تعيد البحث عن الجذور وتوثيق محطات مفصلية من تاريخ بيروت ولبنان. هل تكتب التاريخ روائياً خوفاً من ضياع الذاكرة الجماعية اللبنانية، أم رغبةً في إعادة قراءة الحاضر من خلال مرآة الماضي؟
- إنّ الشعوب التي تفقد ذاكرتها تعيد إنتاج أخطائها بأشكال مختلفة. يقول ألكسي دي توكفيل في هذا الصدد: "التاريخ معرض فيه القليل من اللوحات الأصلية والكثير من النسخ". فعندما كتبت "دروب الهجرة" اتخذت الشعب الشركسي نموذجاً لتناول مفهوم الهجرة وتداعياته؛ وعندما كتبت "حصار صور" عن احتلال الإسكندر المقدوني للمدينة الفينيقية العريقة التي قاومته ببسالة، تناولت مفهومي المقاومة والتضامن في زمن الحرب. الرواية التاريخية تمكّن الكاتب من سدّ ثغرات التاريخ، فيحلّ الخيال ليكمل القصة ويعطي الشخصيات بعداً إنسانياً.
أما بيروت في كتاباتي فليست مدينة فحسب، بل كائن حي. مدينة تنهض من رمادها باستمرار، لكنها تحمل في داخلها طبقات من الألم والذاكرة. وكل كتابة عنها هي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الذاكرة قبل أن يبتلعه النسيان. بيروت أنثى، وهي كالأم التي تضحّي وتتألم، لكنّها تبقى أبية؛ وهي كالحرية في لوحة أوجين دولاكروا تبقى صامدة رغم الجروح والآلام.
التاريخ بالنسبة لي ليس عودة إلى الماضي، بل وسيلة لفهم الحاضر في ضوء تجارب الماضي.
* تكتب بالفرنسية لكن قلبك ينبض بالهوية اللبنانية. هل ترى أنّ الفرنكوفونية في لبنان اليوم هي مجرد "إرث ثقافي" أم أنها ما زالت جسراً حياً وحيوياً يربط لبنان بالقيم الكونية وحقوق الإنسان؟
- أكتب بالفرنسية لأنني أحب هذه اللغة المفعمة بالحرية. لكنني أكتب بالفرنسية عن لبنان والعالم العربي؛ وقد كرّست قاموساً كاملاً لبلدي. الفرنسية بالنسبة إليّ ليست بديلاً عن العربية، لغتي الأم، بل فضاء إضافيّ يسمح لي بأن أخاطب قارئاً آخر، وأن أنقل هواجس وطني إلى فضاء عالميّ. إنها كحصان طروادة، تسمح باختراق خطوط التشكيك والبغض لتوزع الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من القراء.
أنا لا أعتبر الفرنكوفونية، في جوهرها، انتماءً سياسياً، بل أراها مشروعاً ثقافياً قائماً على التعددية والحوار واحترام الاختلاف.
*أنت حقوقي ومحامٍ بارز، وروائي متميز؛ كيف يتعايش داخل ألكسندر نجار "ميزان العدالة" الصارم الذي يبحث عن الأدلة، مع "خيال الأديب" المجنح الذي يبحث عن الحرية المطلقة؟ أين يلتقي القانون والرواية في نتاجك؟
- لا أرى تعارضاً بين المحاماة والأدب، بل أرى بينهما صلة عميقة تقوم على الكلمة والحرية معاً. في المحاماة، الكلمة هي أداة للدفاع عن الحقوق ضمن إطار القانون. وفي الأدب، الكلمة هي وسيلة لاكتشاف الإنسان في عمقه النفسي وبعده الإنساني. وفي المجالين، لا بدّ من الدقة في اختيار المصطلح المناسب. والمحامي كما الكاتب يناضل من أجل الحريات العامة رافضاً هيمنة الظلم. من هنا أجد أنّ الأدب والمحاماة يلتقيان ويتكاملان في نتاجي وفكري.
* يمر القضاء اللبناني اليوم بمراحل دقيقة جداً وتحديات وجودية. كمثقف ورجل قانون، كيف تنظر إلى أزمة العدالة في لبنان، وهل يمكن للأدب أن يكون ملجأً للحق عندما تعجز المحاكم؟
- لا يمكن لأيّ دولة أن تقوم من دون قضاء مستقلّ. وما يمرّ به القضاء اللبناني اليوم يثير القلق، لأنه يعكس أزمة المؤسسات بأكملها. لكنّني أرفض الاستسلام للتشاؤم. فما دام هناك قضاة شرفاء ومحامون متمسكون برسالتهم، يبقى الأمل قائماً.
في الواقع، إنّ العدالة لا تُختزل بالمحاكم فقط. فحين تتعثر العدالة الرسمية، تصبح الذاكرة الأخلاقية للمجتمع ضرورية. وهنا يأتي دور الأدب، لا كبديل عن القضاء، بل كشاهد على الحقيقة. يقول ألبير كامو: "من ذا الذي يستطيع في هذا العالم أن يواجه الإصرار المروّع للجريمة، إن لم يكن إصرار الشهادة؟". فالرواية لا تحكم، لكنّها ترفض النسيان وتوثق الحقيقة. وهذا بحدّ ذاته شكل من أشكال العدالة!
* وضعت مؤلفات مهمّة عن جبران خليل جبران. لو كان جبران بيننا اليوم في هذا العصر الرقمي والمادي المعقّد، فما الذي كان سيقوله لإنسان القرن الحادي والعشرين؟ وما هي الرسالة الجبرانية التي ما زلت ترى ضرورة في الإضاءة عليها؟
- لو عاد جبران خليل جبران اليوم لأسف لغياب التضامن العربي، خصوصاً بعد الثورات العربية التي كان يدعو إليها قبل قرن من حصولها، ولحذّر من فقدان المعنى وسط التطور التكنولوجي الذي يشهده عالمنا اليوم.
لو كان جبران بيننا لذكّرنا بأن كثرة التواصل لا تعني عمق العلاقة، وأن وفرة المعلومات لا تعني الحكمة. وأن الخطر الأكبر هو أن يتحول الإنسان إلى عبد للتكنولوجيا بدل أن يكون سيدها. وقد تناول البابا لاون الرابع عشر هذا الموضوع بالذات في رسالته العامة "Magnifica Humanitas" (الإنسانية العظيمة) حيث حذّر من مخاطر انحراف الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن التقنية يجب أن تبقى في خدمة الإنسان وكرامته، لا أن تتحول إلى قوة تتجاوز الإنسان أو تنتقص من حريته ومسؤوليته...
* إذا طُلِب من ألكسندر نجار كتابة "مانشيت" أو عنوان رئيسيّ على الصفحة الأولى لـ"النهار" تلخص فيه أمنيتك لمستقبل لبنان، فماذا سيكون هذا العنوان؟
- قد يكون العنوان: "لبنان يستعيد دولته!". في كلمة ألقاها في الجامعة اليسوعية في بيروت عام 1931، تمنى شارل ديغول، الذي كان لا يزال مقدّماً، أن يسعى اللبنانيون إلى "بناء دولة". وبالفعل، يحتاج لبنان اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى إعادة بناء فكرة الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها.
* هل تحضّر لعمل أدبي جديد؟
- نعم، أنا بصدد إكمال كتاب "ديغول ولبنان" مع تسليط الضوء على موقف الجنرال الحذر من إسرائيل ودعمه للبنان بعد الاعتداء على المطار عام 1968. كم نحن بحاجة إلى مواقفه النبيلة والشجاعة في هذه الظروف العصيبة! كذلك، سيصدر في باريس في أوائل شهر تشرين الأول المقبل كتاب "لبناني في باريس" يروي تجربتي كطالب حقوق في ثمانينيات القرن الماضي في فرنسا، وهي تجربة عاشها أيضاً العديد من الطلاب اللبنانيين.
* كيف تعيش مخاض الكتابة وسط هذا الصخب؟
- الكتابة ليست عزلة عن العالم، بل شكلٌ آخر من الإصغاء إليه، ومواجهة مع الواقع، ومع الذات، ومع الذاكرة.
تحدث جان بول سارتر عن "مسؤولية الكاتب". أعتقد أن مسؤولية الكاتب لا تقتصر على وصف الجراح، بل أيضاً على رفض الأمر الواقع الأليم والإبقاء على نافذة مفتوحة نحو الأمل. فالتشاؤم موقف سهل، أما الأمل فهو فعل مقاومة!
* "النهار" كانت دائماً حاضنة للنهضة الثقافية اللبنانية. اليوم، في ظل الأزمات المتلاحقة التي يعيشها لبنان، كيف يمكن للثقافة والكلمة أن تقاوم التفكك الاجتماعي والسياسي؟ هل ما زال للأدب تلك القوة التغييرية؟
- "النهار" هي أكثر من جريدة؛ إنها ذاكرة وطن، ومساحة للحرية، ومنبر للعقل النقدي، وحاضنة حقيقية للنهضة الثقافية اللبنانية. لقد تسنّى لي معرفة الأستاذين غسان وجبران تويني من قرب، ولا سيما أنني نشرت لدى دار النهار كتباً وترجمات عدة لرواياتي إلى العربية. كان الأستاذ غسان شخصية مميزة وفذّة ذات ثقافة موسوعية، يحلو الاستماع إليه والاستفادة من المعلومات الوفيرة التي كانت في جعبته. أما جبران، فكان شجاعاً مقداماً، نجح في تحديث الجريدة قبل أن يصبح شهيداً للصحافة.
في زمن الأزمات، لا تُقاس الثقافة بما تحققه على مستوى السياسة أو الاقتصاد، بل بمدى حمايتها للهوية والإنسان ورفضها لكلّ ما يهدّد الوطن. فعندما تتفكك المؤسّسات وتضعف الدولة، تصبح الكلمة آخر ما يحفظ المعنى، وآخر ما يمنع الانهيار الداخلي للمجتمع.
لنكن واقعيين: الأدب لا يغيّر العالم بشكل مباشر؛ فالكاتب أشبه بدون كيشوت الذي يواجه الطواحين، لكنه يغيّر نظرة الإنسان إلى العالم. والرواية تحديداً لا تفرض حلولاً، بل تطرح الأسئلة، وتوقظ الوعي، وتمنح القارئ قدرة على رؤية الآخر خارج منطق التعصب والانقسام.
وأخطر ما نعيشه اليوم ليس فقط الأزمة، بل اعتياد الأزمة. حين يصبح الانهيار مألوفاً، يفقد الإنسان قدرته على المقاومة. وهنا يأتي دور الثقافة: أن ترفض التطبيع مع الانهيار، وأن تبقي الأمل فعلاً فكرياً وأخلاقياً، لا مجرد شعور.
* أسست ورأست مجلات ثقافية تُعنى بالفرنكوفونية (مثل L'Orient Littéraire). كيف ترى واقع الصحافة الثقافية اليوم في لبنان والعالم العربي؟ هل تراجع دورها أمام منصات التواصل، أم أنها ما زالت خط الدفاع الأخير عن الوعي؟
- الصحافة الثقافية تحتضر، ولا سيما أن أغلب الملاحق الثقافية والأدبية توقفت. فهي تعيش اليوم تحوّلاً عميقاً بعد أن فرضت وسائل التواصل إيقاعاً سريعاً مختزلاً، فيما الثقافة بطبيعتها تحتاج إلى نمط أطول، وقراءة متأنية، وتفكير لا يخضع للانفعال اللحظيّ.
إننا بأمسّ الحاجة إلى فضاءات تحفظ العمق في زمن السطحية. الفرق اليوم لم يعد بين الورق والرقم، بل بين المعرفة الحقيقية والاستهلاك السريع للمعلومة.
عندما أطلقت "L’Orient Littéraire"، في العام 2006 كان الهدف أن يشكّل هذا الملحق مساحة حوار بين الأدب العربي والفرنكوفوني، وقد نجحنا في ذلك. كذلك، كنّا نطمح إلى أن يساهم في نهضة لبنان الثقافية، لكنّ الأحداث الأليمة التي توالت منذ 20 سنة عاكست النهضة المرجوة.
برأيي، الصحافة الثقافية ليست ترفاً، بل مقاومة فكرية ضد الجهل والتطرف والتبسيط، وضد تحويل الإنسان إلى مستهلك للصور بدل أن يكون قارئاً للمعنى.
* في رواياتك التاريخية، تعيد البحث عن الجذور وتوثيق محطات مفصلية من تاريخ بيروت ولبنان. هل تكتب التاريخ روائياً خوفاً من ضياع الذاكرة الجماعية اللبنانية، أم رغبةً في إعادة قراءة الحاضر من خلال مرآة الماضي؟
- إنّ الشعوب التي تفقد ذاكرتها تعيد إنتاج أخطائها بأشكال مختلفة. يقول ألكسي دي توكفيل في هذا الصدد: "التاريخ معرض فيه القليل من اللوحات الأصلية والكثير من النسخ". فعندما كتبت "دروب الهجرة" اتخذت الشعب الشركسي نموذجاً لتناول مفهوم الهجرة وتداعياته؛ وعندما كتبت "حصار صور" عن احتلال الإسكندر المقدوني للمدينة الفينيقية العريقة التي قاومته ببسالة، تناولت مفهومي المقاومة والتضامن في زمن الحرب. الرواية التاريخية تمكّن الكاتب من سدّ ثغرات التاريخ، فيحلّ الخيال ليكمل القصة ويعطي الشخصيات بعداً إنسانياً.
أما بيروت في كتاباتي فليست مدينة فحسب، بل كائن حي. مدينة تنهض من رمادها باستمرار، لكنها تحمل في داخلها طبقات من الألم والذاكرة. وكل كتابة عنها هي محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذه الذاكرة قبل أن يبتلعه النسيان. بيروت أنثى، وهي كالأم التي تضحّي وتتألم، لكنّها تبقى أبية؛ وهي كالحرية في لوحة أوجين دولاكروا تبقى صامدة رغم الجروح والآلام.
التاريخ بالنسبة لي ليس عودة إلى الماضي، بل وسيلة لفهم الحاضر في ضوء تجارب الماضي.
* تكتب بالفرنسية لكن قلبك ينبض بالهوية اللبنانية. هل ترى أنّ الفرنكوفونية في لبنان اليوم هي مجرد "إرث ثقافي" أم أنها ما زالت جسراً حياً وحيوياً يربط لبنان بالقيم الكونية وحقوق الإنسان؟
- أكتب بالفرنسية لأنني أحب هذه اللغة المفعمة بالحرية. لكنني أكتب بالفرنسية عن لبنان والعالم العربي؛ وقد كرّست قاموساً كاملاً لبلدي. الفرنسية بالنسبة إليّ ليست بديلاً عن العربية، لغتي الأم، بل فضاء إضافيّ يسمح لي بأن أخاطب قارئاً آخر، وأن أنقل هواجس وطني إلى فضاء عالميّ. إنها كحصان طروادة، تسمح باختراق خطوط التشكيك والبغض لتوزع الرسالة إلى أكبر عدد ممكن من القراء.
أنا لا أعتبر الفرنكوفونية، في جوهرها، انتماءً سياسياً، بل أراها مشروعاً ثقافياً قائماً على التعددية والحوار واحترام الاختلاف.
*أنت حقوقي ومحامٍ بارز، وروائي متميز؛ كيف يتعايش داخل ألكسندر نجار "ميزان العدالة" الصارم الذي يبحث عن الأدلة، مع "خيال الأديب" المجنح الذي يبحث عن الحرية المطلقة؟ أين يلتقي القانون والرواية في نتاجك؟
- لا أرى تعارضاً بين المحاماة والأدب، بل أرى بينهما صلة عميقة تقوم على الكلمة والحرية معاً. في المحاماة، الكلمة هي أداة للدفاع عن الحقوق ضمن إطار القانون. وفي الأدب، الكلمة هي وسيلة لاكتشاف الإنسان في عمقه النفسي وبعده الإنساني. وفي المجالين، لا بدّ من الدقة في اختيار المصطلح المناسب. والمحامي كما الكاتب يناضل من أجل الحريات العامة رافضاً هيمنة الظلم. من هنا أجد أنّ الأدب والمحاماة يلتقيان ويتكاملان في نتاجي وفكري.
* يمر القضاء اللبناني اليوم بمراحل دقيقة جداً وتحديات وجودية. كمثقف ورجل قانون، كيف تنظر إلى أزمة العدالة في لبنان، وهل يمكن للأدب أن يكون ملجأً للحق عندما تعجز المحاكم؟
- لا يمكن لأيّ دولة أن تقوم من دون قضاء مستقلّ. وما يمرّ به القضاء اللبناني اليوم يثير القلق، لأنه يعكس أزمة المؤسسات بأكملها. لكنّني أرفض الاستسلام للتشاؤم. فما دام هناك قضاة شرفاء ومحامون متمسكون برسالتهم، يبقى الأمل قائماً.
في الواقع، إنّ العدالة لا تُختزل بالمحاكم فقط. فحين تتعثر العدالة الرسمية، تصبح الذاكرة الأخلاقية للمجتمع ضرورية. وهنا يأتي دور الأدب، لا كبديل عن القضاء، بل كشاهد على الحقيقة. يقول ألبير كامو: "من ذا الذي يستطيع في هذا العالم أن يواجه الإصرار المروّع للجريمة، إن لم يكن إصرار الشهادة؟". فالرواية لا تحكم، لكنّها ترفض النسيان وتوثق الحقيقة. وهذا بحدّ ذاته شكل من أشكال العدالة!
* وضعت مؤلفات مهمّة عن جبران خليل جبران. لو كان جبران بيننا اليوم في هذا العصر الرقمي والمادي المعقّد، فما الذي كان سيقوله لإنسان القرن الحادي والعشرين؟ وما هي الرسالة الجبرانية التي ما زلت ترى ضرورة في الإضاءة عليها؟
- لو عاد جبران خليل جبران اليوم لأسف لغياب التضامن العربي، خصوصاً بعد الثورات العربية التي كان يدعو إليها قبل قرن من حصولها، ولحذّر من فقدان المعنى وسط التطور التكنولوجي الذي يشهده عالمنا اليوم.
لو كان جبران بيننا لذكّرنا بأن كثرة التواصل لا تعني عمق العلاقة، وأن وفرة المعلومات لا تعني الحكمة. وأن الخطر الأكبر هو أن يتحول الإنسان إلى عبد للتكنولوجيا بدل أن يكون سيدها. وقد تناول البابا لاون الرابع عشر هذا الموضوع بالذات في رسالته العامة "Magnifica Humanitas" (الإنسانية العظيمة) حيث حذّر من مخاطر انحراف الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن التقنية يجب أن تبقى في خدمة الإنسان وكرامته، لا أن تتحول إلى قوة تتجاوز الإنسان أو تنتقص من حريته ومسؤوليته...
* إذا طُلِب من ألكسندر نجار كتابة "مانشيت" أو عنوان رئيسيّ على الصفحة الأولى لـ"النهار" تلخص فيه أمنيتك لمستقبل لبنان، فماذا سيكون هذا العنوان؟
- قد يكون العنوان: "لبنان يستعيد دولته!". في كلمة ألقاها في الجامعة اليسوعية في بيروت عام 1931، تمنى شارل ديغول، الذي كان لا يزال مقدّماً، أن يسعى اللبنانيون إلى "بناء دولة". وبالفعل، يحتاج لبنان اليوم، أكثر من أيّ وقت مضى، إلى إعادة بناء فكرة الدولة وبسط سيادتها على كامل أراضيها.
* هل تحضّر لعمل أدبي جديد؟
- نعم، أنا بصدد إكمال كتاب "ديغول ولبنان" مع تسليط الضوء على موقف الجنرال الحذر من إسرائيل ودعمه للبنان بعد الاعتداء على المطار عام 1968. كم نحن بحاجة إلى مواقفه النبيلة والشجاعة في هذه الظروف العصيبة! كذلك، سيصدر في باريس في أوائل شهر تشرين الأول المقبل كتاب "لبناني في باريس" يروي تجربتي كطالب حقوق في ثمانينيات القرن الماضي في فرنسا، وهي تجربة عاشها أيضاً العديد من الطلاب اللبنانيين.
* كيف تعيش مخاض الكتابة وسط هذا الصخب؟
- الكتابة ليست عزلة عن العالم، بل شكلٌ آخر من الإصغاء إليه، ومواجهة مع الواقع، ومع الذات، ومع الذاكرة.
تحدث جان بول سارتر عن "مسؤولية الكاتب". أعتقد أن مسؤولية الكاتب لا تقتصر على وصف الجراح، بل أيضاً على رفض الأمر الواقع الأليم والإبقاء على نافذة مفتوحة نحو الأمل. فالتشاؤم موقف سهل، أما الأمل فهو فعل مقاومة!