القوى النووية في المغرب
عالم يتغير بسرعة ويبحث عن توازن جديد.
شددنا في مقالات عديدة على أن العالم اليوم في قلب مرحلة جيوسياسية انتقالية عميقة، تشبه في كثير من جوانبها اللحظات التاريخية التي سبقت إعادة تشكيل النظام الدولي بعد الحروب الكبرى. تتسارع التحولات الأمنية والاستراتيجية والاقتصادية والتكنولوجية والثقافية، بصورة تجعل كل بعد من هذه الأبعاد يؤثر في الآخر ويعيد تشكيله. فلم تعد القوة العسكرية وحدها تحدد موازين النفوذ، بل أصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة وسلاسل التوريد والثقافة والإعلام أدوات متداخلة داخل معادلة واحدة.
تدفع الحرب في أوكرانيا، والتوترات المتصاعدة في شرق آسيا والأزمات الممتدة في الشرق الأوسط، مختلف القوى الكبرى إلى مراجعة حساباتها الاستراتيجية. كما تدفع المنافسة الأمريكية الصينية، وعودة روسيا إلى قلب المعادلة الدولية، وصعود الهند وقوى إقليمية جديدة، نحو إعادة توزيع النفوذ العالمي بصورة متدرجة ولكنها عميقة.
وقد وصف هنري كيسنجر هذه المرحلة بقوله: “إن النظام العالمي لا يبقى ثابتاً أبداً، بل يتغير كلما تغير توزيع القوة بين الأمم” (هنري كيسنجر، النظام العالمي، 2014).
لماذا تجتمع القوى النووية بعيداً عن الأضواء؟
أعلن المستشار الروسي أرياكوف لوسائل الإعلام عن وجود لقاءات ومشاورات حساسة مرتبطة بالقوى النووية الكبرى. وفي هذا السياق لابد من التذكير بأن القوى النووية الكبرى تدرك أن استمرار التصعيد الدولي دون ضوابط، قد يقود إلى أخطاء في التقدير يصعب احتواؤها. ولذلك تلجأ الدول الكبرى، حتى في أشد لحظات الخصومة، إلى الحفاظ على، وفتح، قنوات للحوار والتنسيق غير المعلن.
تسعى هذه اللقاءات عادة إلى إدارة التنافس لا إلى إنهائه، وإلى منع الانزلاق نحو مواجهة مباشرة لا يمكن لأي طرف أن يضمن نتائجها. فامتلاك السلاح النووي لا يمنح فقط القدرة على الردع، بل يفرض أيضاً مسؤولية مشتركة تجاه الأمن العالمي.
وقد عبر الرئيس الأمريكي جون كينيدي عن هذه الفكرة عندما قال: “يجب على البشرية أن تضع حداً للحرب، وإلا وضعت الحرب حداً للبشرية” (جون كينيدي، خطاب الأمم المتحدة، 1961).
ولهذا السبب تزداد أهمية اللقاءات الهادئة كلما ارتفعت مستويات التوتر. فالدول الكبرى تعرف أن إدارة الخلافات أقل كلفة من الانزلاق نحو المجهول.
من الاقتصاد إلى الثقافة: صراع متعدد الوجوه.
لم يعد الصراع الدولي يقتصر على الجيوش والأسلحة. فقد انتقل جزء كبير منه إلى الاقتصاد والتجارة والتكنولوجيا والثقافة.
وتتنافس الدول الكبرى اليوم على السيطرة على أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والمعادن النادرة وطرق الملاحة البحرية والكابلات الرقمية العابرة للقارات. كما تتنافس على التأثير الثقافي وصناعة الصورة وإنتاج السرديات القادرة على توجيه الرأي العام العالمي.
وقد أشار جوزيف ناي إلى هذا التحول حين كتب: “من ينجح في جعل الآخرين يريدون ما يريده، يملك نوعاً من القوة لا يقل أهمية عن القوة العسكرية” (جوزيف ناي، القوة الناعمة، 2004).
لذلك تتشابك المصالح الاقتصادية والثقافية والأمنية بصورة تجعل أي أزمة في أحد المجالات قابلة للانتقال سريعاً إلى المجالات الأخرى.
لماذا المغرب؟
لا يفسر الموقع الجغرافي للمغرب سوى جزءاً من الجواب. فالمملكة تقع عند ملتقى أوروبا وإفريقيا والعالم العربي وتشرف على واحد من أهم المعابر البحرية في العالم. غير أن الجغرافيا وحدها لا تكفي لتفسير الثقة الدولية المتزايدة في المغرب.
لقد راكم المغرب خلال العقود الأخيرة رصيداً سياسياً ودبلوماسياً مهماً بفضل قدرته على المحافظة على الاستقرار والانفتاح في منطقة عرفت اضطرابات وتحولات متلاحقة. كما نجح في بناء شبكة واسعة من الشراكات مع مختلف القوى الدولية دون أن ينخرط في سياسة المحاور الحادة.
وتمنح هذه الخصوصية للمغرب صورة الدولة القادرة على الحديث مع الجميع دون أن تتحول إلى طرف في الصراعات الكبرى.
الدار البيضاء ورمزية التاريخ.
تستحضر الدار البيضاء في الذاكرة الجيوسياسية العالمية محطة تاريخية مهمة، وذلك عندما احتضنت سنة 1943 المؤتمر الشهير الذي جمع قادة الحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية – تشرتشل وروزفلت وستالين.
وقد ساهم ذلك اللقاء في رسم جزء من التصورات التي قادت لاحقاً إلى بناء النظام الدولي الذي ساد بعد الحرب. ولهذا تبدو المدينة اليوم وكأنها تستعيد بعضاً من رمزيتها التاريخية في لحظة انتقالية جديدة يعيشها العالم.
ولا يتعلق الأمر بإعادة رسم الحدود الجغرافية كما حدث في القرن الماضي، بل بتجنب الخطأ القاتل وبالطبع واساسا بإعادة توزيع مراكز النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي والاستراتيجي في عالم متعدد الأقطاب.
الدبلوماسية الصامتة التي يحتاجها العالم.
لم يبن المغرب مكانته الدولية على الضجيج الإعلامي أو الخطابات الحادة. بل اعتمد على ما يمكن تسميته بالدبلوماسية الهادئة، أو الدبلوماسية الصامتة، التي تفضل بناء الثقة الدائمة على صناعة الاستعراض الزائف والسريع الزوال.
تقوم هذه المقاربة على الحوار المستمر، وتجنب التوتر غير الضروري، والبحث عن المصالح المشتركة، وفتح قنوات التواصل حتى في أكثر الملفات حساسية وتعقيداً.
وقد أثبتت التجربة الدولية أن الوساطات الناجحة غالباً ما تنمو بعيداً عن الأضواء. فكلما ارتفع منسوب الاستقطاب العالمي ازدادت الحاجة إلى فضاءات للحوار وإلى دول قادرة على بناء الجسور بين المتنافسين.
وفي عالم تتزايد فيه لغة القوة، تبرز قيمة الحكمة السياسية أكثر من أي وقت مضى.
المغرب بين الفلسفة السياسية وثقافة التعايش.
يجسد المغرب نموذجاً حضارياً تشكل عبر قرون من التفاعل بين روافد عربية وأمازيغية وإفريقية وأندلسية ومتوسطية وعبرية. وقد أنتج هذا التراكم التاريخي ثقافة سياسية تميل إلى التوازن والاعتدال وإدارة الاختلاف بدل تحويله إلى صراع وجودي.
وقد كتب الفيلسوف إيمانويل كانط: “لا يتحقق السلام الدائم إلا عندما تتعلم الأمم تنظيم خلافاتها وفق قواعد العقل” (إيمانويل كانط، مشروع السلام الدائم، 1795).
وتبدو هذه الفكرة أكثر راهنية اليوم في ظل تصاعد النزعات الشعبوية والقومية المتشددة في مناطق عديدة من العالم.
قوة صاعدة برؤية سلمية.
لا يسعى المغرب إلى لعب دور قوة عظمى بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه ينجح تدريجياً في ترسيخ حضوره باعتباره قوة إقليمية صاعدة تعتمد على الاقتصاد والاستثمار والبنية التحتية والدبلوماسية والثقافة أكثر مما تعتمد على منطق الهيمنة.
وتعزز المشاريع الكبرى التي أطلقها داخل إفريقيا وشبكات التعاون الاقتصادي والطاقي واللوجستي هذه المكانة المتنامية. كما تمنح المملكة قدرة أكبر على التأثير في محيطها الإقليمي والدولي.
وقد لخص نيلسون مانديلا إحدى الحقائق الأساسية في العلاقات الدولية حين قال: “لا يولد الناس أعداء، بل يتعلمون الكراهية، وإذا كانوا قادرين على تعلم الكراهية فإنهم قادرون أيضاً على تعلم المحبة” (نيلسون مانديلا، الطريق الطويل نحو الحرية، 1994).
ختاما.
تكشف رمزية اجتماع القوى الكبرى في الدار البيضاء، سواء تعلق الأمر بلقاء معلن أو بمشاورات استراتيجية بعيدة عن الأضواء، عن حقيقة أساسية مفادها أن العالم يعيش مرحلة إعادة تشكل تاريخية. وتدفع هذه المرحلة مختلف الفاعلين إلى البحث عن توازنات جديدة تمنع الصدام وتحافظ على الاستقرار.
وفي قلب هذه التحولات يبرز المغرب باعتباره دولة استطاعت أن تجمع بين الاستقرار والانفتاح والاعتدال والدبلوماسية الحكيمة. ولذلك لا يبدو غريباً أن يختاره العالم فضاءً للحوار في زمن تتكاثر فيه أسباب الانقسام وتندر فيه مساحات التفاهم.
The post القوى النووية في المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.