العيد في قبضة "الشناقة"

في المغرب، يكفي أن تدخل إلى سوق للماشية قبل العيد حتى تشعر وكأنك دخلت إلى امتحان جماعي للأعصاب، لا إلى فضاء للبيع والشراء. الوجوه متوترة، الآباء يحسبون ما بقي في الجيوب أكثر مما يتأملون الخرفان، والجملة نفسها تتكرر كل سنة كأنها نشيد وطني موسمي: “الأسعار شاعلة”. لكن الغريب أن الخروف نفسه، الذي خرج من عند الكسّاب بثمن معين، يصل إلى المواطن بثمن آخر وكأنه قطع نصف العالم قبل أن يصل إلى السوق. وبين البداية والنهاية يظهر “الشناق”، ذلك الشخص الذي لا يربي الخروف ولا يتحمل تعب المواسم والجفاف والعلف، لكنه يخرج غالبًا بأكبر نصيب من الربح.

الشناق في المغرب لم يعد مجرد وسيط بسيط بين البائع والمشتري. لقد تحول مع الوقت إلى جزء من اقتصاد كامل يعيش على المضاربة واستغلال التوتر الاجتماعي. فهو يعرف جيدًا أن أضحية العيد ليست مجرد شراء لحم، بل مسألة مرتبطة بنظرة المجتمع وبصورة الأب داخل بيته وأمام جيرانه. لذلك لا يبيع الخروف فقط، بل يبيع أيضًا خوف الناس من الإحراج.

في الأسواق، لا يحتاج الشناق إلى دراسة علم النفس حتى يفهم الزبائن. يكفيه أن يرى أبًا جاء رفقة أطفاله حتى يدرك أنه لن يعود خالي اليدين مهما ارتفع الثمن. ويعرف أيضًا أن المواطن كلما تأخر في الشراء زاد خوفه من ارتفاع الأسعار أكثر، فيتحول السوق إلى لعبة أعصاب حقيقية: الكل يشتري لأنه خائف من الغد، والكل يرفع السعر لأنه يعرف حجم هذا الخوف.

ومع اقتراب العيد، يفقد السوق أي منطق عادي. لا أحد يعرف السعر الحقيقي، ولا أحد يفهم كيف تقفز الأثمان بهذا الشكل خلال أيام قليلة. يصبح الأمر أشبه بموجة هلع جماعي يرتدي جلباب المناسبة الدينية. المواطن يشتكي، والكساب يشتكي، وحتى بعض الباعة يشتكون، لكن الشناق وحده يبدو دائمًا مرتاحًا وسط هذا الارتباك الكبير.

المشكلة أن الشناق لا يعيش وحده، بل يتحرك داخل بيئة تساعده على التمدد. حين تغيب المراقبة الحقيقية، وتتحول الأسواق إلى فضاءات مفتوحة للفوضى، وحين يقتنع المواطن بأن “هذا هو حال السوق”، تصبح الشناقة شيئًا عاديًا لا يثير الاستغراب. وهكذا يتحول الربح السريع إلى ثقافة يومية، لا في الأضاحي فقط، بل في كل شيء تقريبًا.

اليوم تجد الشناقة في العقار، وفي الخضر، وفي السيارات المستعملة، وأحيانًا حتى في المواعيد الإدارية. كأن المجتمع كله صار يحلم بالربح السريع أكثر مما يحلم بالإنتاج والعمل الطويل. الكل يريد أن يشتري قبل الآخرين ليبيع بعدهم. والنتيجة أن المواطن البسيط يجد نفسه دائمًا في آخر السلسلة، يؤدي ثمن المضاربة وثمن الفوضى وثمن غياب المراقبة معًا.

المؤلم في كل هذا أن ضحية هذه اللعبة لم تعد فقط الأسر الفقيرة، بل حتى الطبقة الوسطى التي كانت إلى وقت قريب قادرة على تدبير مواسمها دون اختناق. اليوم، كثير من العائلات تدخل العيد بالديون، فقط حتى لا تشعر بأنها أقل من الآخرين. بعض الآباء لم يعودوا يبحثون عن أضحية جيدة، بل عن طريقة للهروب من نظرات الأبناء والجيران وأسئلة الأقارب.

وهكذا يتحول العيد، الذي من المفروض أن يكون مناسبة للفرح والتضامن، إلى موسم ضغط نفسي واستهلاك مرهق. يدخل المواطن إلى السوق وهو يشعر أنه متأخر دائمًا، وأن الجميع يسبقه بخطوة: الشناق، والسماسرة، والمضاربون، وحتى الخوف نفسه.

لهذا فالمشكل ليس في شخص الشناق وحده، بل في عقلية كاملة أصبحت تستثمر في قلق الناس أكثر مما تستثمر في العمل الحقيقي. ومحاربة الشناقة لا تكون بحملات موسمية عابرة أمام الكاميرات، بل بإعادة شيء من الثقة والتنظيم إلى السوق، والأهم بإعادة الإنسان إلى حجمه الطبيعي، بدل أن تظل قيمة المواطن مرتبطة بما يستطيع شراءه في موسم واحد من السنة.

The post العيد في قبضة "الشناقة" appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

اقرأ المقال كاملاً على Hespress