العفو العام... هل انفجرت الألغام السياسية مجددا؟
لم يكن ينقص ملف العفو العام سوى تأجيل جديد حتى تتكرّس حقيقة أنّ هذا القانون الذي يُفترض أن يطوي واحداً من أكثر الملفات حساسية في لبنان، بات مادة انفجار سياسي وطائفي وأمني مفتوح.
فجأة، أُرجئت جلسة اللجان النيابية المشتركة التي كانت مقرّرة أمس الإثنين، من دون تحديد موعد جديد، رغم أنّ الأسابيع الماضية شهدت اجتماعات متلاحقة ومحاولات حثيثة لتدوير الزوايا والتوصل إلى تسوية قابلة للمرور في الهيئة العامة لمجلس النواب.
التأجيل لم يكن تقنياً، بل بدا انعكاساً مباشراً لتشابك الحسابات السياسية والطائفية حول قانون تحوّل من نقاش قانوني إلى اختبار توازنات وطنية دقيقة، تتداخل فيه ملفات الإسلاميين، والمخدرات، والمبعدين إلى إسرائيل، وحتى قضية اغتيال الرئيس المنتخب بشير الجميل عبر إعادة طرح اسم حبيب الشرتوني ضمن النقاشات الدائرة، رغم التفاهم المسبق على استثناء الجرائم المحالة على المجلس العدلي من أي عفو عام.
في الكواليس، شهد نهار الأحد دخولاً مباشراً على الخط من قصر بعبدا، عبر اجتماع ترأسه رئيس الجمهورية جوزف عون وضم نواباً من كتل متعددة، في خطوة قرأها كثيرون على أنّها محاولة لسحب الملف من إدارة عين التينة وإعادة وضعه تحت سقف رئاسي – سياسي مختلف.
وبحسب مصادر نيابية، فإنّ اجتماع بعبدا سبقه تواصل من المعاون السياسي للرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل الذي أبلغ الرئاسة موافقة بري على أيّ اتفاق يتم التوصل إليه من بعبدا، ولكن يبدو أن ما سرب من الاجتماع أثار امتعاض بري، وانعكس تطييرا لجلسة اللجان المشتركة. وهو ما يفسّر أيضاً حجم التكتّم الذي أحاط بالمداولات، حتى إنّ عدداً من النواب امتنعوا عن الإدلاء بأي مواقف علنية بسبب "حساسية الملف"، فيما أكد النائب أشرف ريفي لـ"النهار" أنّه فوجئ بقرار التأجيل ولا يملك أي معلومات عن أسبابه أو عن موعد جديد للجلسة.
"العفو للإسلاميين" أو تسوية وطنية؟
جوهر الخلاف لم يعد تقنياً. فالقانون بصيغته الحالية محوره عملياً كيفية معالجة ملف الإسلاميين الموقوفين والمحكومين، ولا سيما الموجودين في المبنى "ب" في سجن روميه. النواب السنّة الذين يقودون اقتراح القانون بالتنسيق مع دار الفتوى، يركّزون على خفض عقوبة الإعدام إلى عشرين سنة، والمؤبد إلى خمس عشرة سنة فعلية، بما يسمح عملياً بخروج عدد من المحكومين، وفي مقدمهم الشيخ أحمد الأسير.
ولم يخفِ ريفي موقفه في هذا السياق، حين أعلن صراحة أنّه سيقاطع الجلسة العامة ما لم تُعتمد صيغة تسمح بخروج "المظلومين من الإسلاميين"، وعلى رأسهم الأسير. هنا تحديداً بدأت الاعتراضات تتصاعد داخل أكثر من بيئة سياسية، وخصوصاً لدى القوى التي تعتبر أنّ أيّ تساهل في هذا الملف قد يُفسَّر مساسا بهيبة المؤسسة العسكرية ودماء العسكريين الذين سقطوا في مواجهات عبرا وغيرها.
وسط هذا الاشتباك، دخل ميشال معوض على خط الوساطة، وحاول تقديم نفسه حلقة وصل بين هواجس المؤسسة العسكرية ومطالب البيئة السنّية.
هذا التوازن الدقيق أنتج داخل اجتماع بعبدا ما يشبه التسوية الأولية: خفض الإعدام إلى عشرين سنة فعلية، والمؤبد إلى عشرين سنة سجنية بما يوازي خمس عشرة سنة فعلية، إلى جانب اعتماد معايير جديدة للإدغام ( من عليه أكثر من حكم)، وربط الاستفادة من بند التوقيف لمدة 12 سنة بعدم صدور حكم نهائي في حق الموقوف.
لكن ما بدا تسوية قابلة للحياة سرعان ما انفجر من زوايا أخرى.