الشكليات وروح العدالة
مشروع قانون المحاماة 66.23: هل تقتل “الشكليات” روح العدالة بالمغرب؟
تخيل أن تقف في ردهة المحكمة، حاملاً ملفاً يضم مصير عائلة بأكملها، لتكتشف أن مقتضيات تشريعية جديدة – صِيغت خلف المكاتب المغلقة – قررت أن تضع قيوداً صارمة على آليات الدفاع. هذا ليس مشهداً سينمائياً، بل هو الهامش الضيق الذي يحاول مشروع القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة (رقم 66.23) حشر منظومة العدالة فيه.
إن قراءة متأنية في تفاصيل هذا المشروع، بعيداً عن السجال النقابي الضيق، تكشف أن التعديلات المقترحة لا تمس فقط المكتسبات التاريخية لأصحاب البذلة السوداء، بل توجه ثلاث طعنات صامتة لروح العدالة وحق الدفاع قبل جسد المهنة ذاتها.
1. تسقيف السن (40 سنة): إعدام لخبرات الحياة
أن تشترط المادة الخامسة من المشروع سناً أقل من 40 سنة لاجتياز مباراة الولوج هو إقصاء غير مفهوم لطاقات وطنية هامة. فالعدالة ليست مجرد نصوص قانونية جافة تُحفظ في المدارج الجامعية، بل هي تراكم لخبرات الحياة والحس الإنساني والنضج الفكري. عندما يمنع النص الجديد أطراً بنكية، أو أساتذة، أو خبراء في سن الـ42 من نقل تجربتهم الطويلة إلى محراب الدفاع، فإن منظومة القضاء هي الخاسر الأكبر بحرمانها من دماء ناضجة وعقول جاهزة لتقديم قيمة مضافة فورية للمحاكم.
2. شرط “الماستر”: عندما تُقاس الكفاءة بالورقة لا بالمهارة
إن فرض شهادة الماستر كشرط وحيد للولوج، مستبعداً حملة الإجازة، يمثل ضربة للقيمة الأكاديمية التاريخية للإجازة في الحقوق بالمغرب. في العمل القضائي العملي، كم من صاحب إجازة بسيط زلزل قاعة المحكمة ببريق مرافعة شفهية هزت وجدان الهيئة وأعادت الحقوق لأصحابها، وكم من حامل دبلوم عالٍ تاه في جزئيات مسطرة مدنية أو جنائية بسيطة. الكفاءة الدفاعية تُصنع في الميدان وداخل ردهات المحاكم، لا في دهاليز الشكليات الحاصلة على تزكيات ورقية فقط.
3. من الحصانة إلى الوصاية: ضربة في قلب ثقة الموكل
لعل أخطر ما يحمله المشروع هو التوجه نحو تضييق الخناق على استقلالية هيئات المحامين، ومحاولة إخضاع حسابات ودائع الموكلين لرقابة تفتيشية تمس بشكل أو بآخر بقدسية السر المهني. إن المواطن عندما يلج مكتب المحامي، فهو يخلع أسراره ومخاوفه المادية والنفسية هناك، معتقداً أن الجدران مصونة بحصانة القانون. تحويل الدفاع إلى ما يشبه “جهازاً تحت الرقابة الإدارية المستمرة” يهدم جدار الثقة الإنسانية، وإذا سقطت الثقة بين المواطن ودفاعه، سقطت معها أحد أهم شروط المحاكمة العادلة.
العدالة ليست نصاً جامداً
إن إصلاح منظومة العدالة في المغرب لا يمر حتماً عبر تضييق الخناق على المحامين، أو تقييد حق التعبير والاحتجاج السلمي لحماية شروط الممارسة المهنية. المحاماة كانت وستبقى حصناً للحقوق والحريات وشريكاً أساسياً للقضاء في تحقيق العدالة.
إن المشرع اليوم مطالب بالإنصات لنبض المحاكم وواقع المتقاضين، بدلاً من التمسك بنصوص تُصاغ بعيداً عن الميدان؛ فالغاية الأسمى للقانون هي حماية روح العدالة الإنسانية قبل الغرق في الشكليات والقيود الإدارية.
– باحث في العلوم القانونية
The post الشكليات وروح العدالة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.