الشريعة سياسة إلهية..

ملاحظات أولية :

1 – هذه المقالة تخاطب الموحدين الذين يقرون بأن لهذا الكون إلها خالقا وربا فاعلا – لا صامتا كما في الفكر المسيحي المعاصر – يقوم بأمور هذا الكون وأمور كائناته ويديره بقوانين فيزيائية دقيقة لا زالت الأبحاث في علم الفلك تكتشف المزيد منها كل يوم وتكتشف أيضا وهذا هو المهم ضآلة هذا الإنسان وأنه لا شيء مقارنة بالكواكب والنجوم والمجرات التي تسبح في هذا البعد اللامتناهي.

2 – هذه الأسطر القليلة لا تناقش المنكرين لوجود إله ورب لهذا الوجود لسببين اثنين أولهما أن من حقهم اعتقاد ما يشاؤون وثانيا عليهم أن يقنعوا المخالفين علميا بالعكس لأن ″النظرية بدون تجربة لعب فكري″ كما يقول الفيلسوف الألماني كانط.

3 – يقول عالم الفيزياء الألماني هايزنبرغ الحائز على جائزة نوبل لسنة 1932 :

″ إن أول جرعة من وعاء العلوم الطبيعية تجعلنا ملحدين. ولكن هناك في قعر الوعاء ينتظرنا الله″

بعد هذه التوطئة السريعة ندخل مباشرة في صلب الموضوع ونطرح مجموعة من الأسئلة البديهية والمستفزة في آن واحد علها تنير لنا بعضا من معالم هذه الطريق الشائكة.

السؤال الأول :

بعد عقود طويلة من التجريب والتنظير في مجال العلوم الإنسانية وتحديدا العلوم السياسية لا مناص من الإعتراف بالخلاصة التالية، ودائما على لسان الفيلسوف الألماني كانط :

″التجربة تعلمنا مما وقع لكنها عاجزة عن التنبؤ بما لن يقع″

وهنا مربض الفرس، لأن جميع نظريات الحكم التي تم تجريبها في العالم العربي الإسلامي فشلت فشلا ذريعا ولا داعي للخوض في التفاصيل والأسباب التي يعرفها الصغير قبل الكبير.

والنموذج الديمقراطي الذي تطمح إليه نخب وشعوب هذه المنطقة البئيسة من العالم بات من الأحلام الوردية التي تدغدغ المشاعر ليس إلا، أما شروطه الموضوعية فقد صار من شبه المستحيل اجتماعها في قطر واحد بله تنزيلها على أرض الواقع.

(لمزيد من الدراسة الرصينة حول هذا الموضوع يرجى مراجعة كتابين   للفيلسوف المغربي الراحل محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي والعقل السياسي العربي. وحول الشروط الموضوعية لإنجاح            النظام الديمقراطي سلسلة محاضرات عالم الإجتماع السياسي الفرنسي Pierre Rosanvallon

ب Collège de France   )

والسؤال هو :

– إذا كانت التجارب السياسية عاجزة عن التنبؤ بما لن يقع، فما الجدوى منها إذن؟

وما وقع في الماضي ويقع الآن في الحاضر من الكوارث الإنسانية بسبب هذه الأنظمة السياسية لا يخفى على أحد ولا داعي للتكرار والإجترار.

هل سنظل نتعلم إلى يوم القيامة مما وقع ونبقى تحت رحمة ما سيقع لأننا عاجزون عن التنبؤ بما لن يقع؟

من الإنحرافات المهولة بالطبع لهذه الأنظمة السياسية البشرية الصنع والتي تؤكد لنا وللأسف الشديد ومع مرور الوقت أن العدو الحقيقي للإنسان ليس سوى الإنسان نفسه؟

السؤال الثاني :

يقول الشاعر والفيلسوف الألماني Johann Gottfried Herder :

″إن الدولة تسلب الناس من ذواتهم″

هذا كان في القرن 18 الميلادي، وهو تعبير شاعري إلى حد بعيد. لكن ما عساه يا ترى سيقول لو أنه عاش في عصرنا الحالي ورأى بأم عينيه كيف تسلب الدولة من الناس أرواحهم وأموالهم وأعراضهم..ومقدساتهم وحرماتهم..وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم..وآمالهم وأحلامهم..وحرياتهم وأفكارهم…

لقد تدخلت الدولة في حياة الناس بلا رقيب ولا حسيب، تارة باسم المصلحة العليا وتارة باسم الأمن بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية. والمثال الذي يحضرنا هنا بالذات هو المراقبة الرقمية التي هتكت أسرار الجميع ولم تبق من الخصوصية أوالحياة الخاصة إلا الإسم. ناهيك بالطبع عن المصادرة المستمرة للحريات الفردية والحقوق الأساسية للأفراد والمجتمعات جهارا نهارا تحت قبب البرلمانات التي لا تتوقف عن التشريع في كل شاردة وواردة وكل حركة وسكنة.

والسؤال هو :

– هل هذا هو المستقبل المشرق الذي يعدنا به المنظرون والمفكرون والفلاسفة…وكل من ينوب عنا دون تفويض منا في تقرير مصائرنا؟

السؤال الثالث :

يقول المفكر الإيراني وعالم الإجتماع الراحل علي شريعتي :

″إن الدين الذي لا ينفع الإنسان قبل الموت لا ينفعه بعد الموت أيضا″

في إشارة دقيقة إلى أن المعيار الذي يجب أن توزن به الأمور كلها على العموم وحال الإنسان خاصة هو المآل أو مصير هذا الإنسان هنا كما هناك أيضا في العالم الآخر بعد الموت.

أو كما يقول علماء الإسلام الأوائل من تحصيل الدين وتحصينه أولا قبل الدنيا لأن هذه الأخيرة منه وإليه، داخلة فيه ولا تنفك عنه عبر الشريعة الإسلامية والمدارس الفقهية العديدة التي تطورت انطلاقا منها والتي غطت جوانب الحياة الدنيا كلها إضافة إلى الحياة الآخرة.

وما يهمنا هنا بالضبط هو نظام الحكم أو ما يصطلح عليه في المصادر الإسلامية بفقه الإمارة أو السياسة الشرعية أو الأحكام السلطانية…إلخ

ومسألة المآل هذه أو التنبؤ بما لن يقع بتعبير كانط هي حجر الزاوية في اجتهادات علماء وفقهاء وقضاة الإسلام انطلاقا من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية.

والنتيجة التاريخية التي عاشها المسلمون طوال حضارتهم الممتدة ل12 قرنا تقريبا هي كالتالي :

– تم كبح جماح السلطة السياسية وانتزاع السلطة القضائية والتشريعية من بين أظافرها وأسنانها. لا عن طريق الثورات أو الحروب وإنما بفضل مصادر التشريع والقضاء الإسلاميين..القرآن والسنة!

وقد أفضنا في بيان هذه الفكرة في مقالات عديدة بالموقع. (أنظر على سبيل المثال مقال ″نحو باراديكم جديد للفكر العربي الإسلامي″)

نعيد صياغة مقولة المفكر الإيراني مرة أخرى فنقول :

– إن السياسة التي لا تنفع الإنسان قبل الموت لن تنفعه بعد الموت أيضا!

ويكفي للتأكد من هذا الرجوع إلى القرآن الكريم وإلى الآيات التي تصور بشكل رائع حوار المستكبرين والمستضعفين يوم القيامة. (على سبيل المثال الآيات 30-36 من سورة سبأ) نظام سياسي بقطبين اثنين..الذين استكبروا والذين استُضعفوا..نظام سياسي فاسد يخالف الفطرة الإنسانية الحرة..لا مستكبرة ولا مستضعفة.

أليس هذا تحديدا ما نعيشه اليوم؟

فئة مستبدة استولت على مقاليد الحكم من السلطة والمال والإعلام والعسكر. وفئة قبلت بهذا الإستعباد والإستبداد بأسماء شتى أخطرها الدين؟

والمسؤولية مشتركة في إرساء هذا النظام السياسي الفاسد والقبول به..ولا عذر لأحد.

إن المشهد السوريالي الذي يُطلب منا اليوم القبول به طوعا وكرها هو أن نعيش حياة سياسية مزيفة بنزاهة بتعبير الفيلسوف الألماني أدورنو..وأن نردد مع الموسيقي الأمريكي Tom Paxton أغنيته الشهيرة :

″ما الذي تعلمته اليوم في المدرسة يا ولدي العزيز؟

تعلمت أن حكومتنا يجب أن تكون قوية!

على حق دائما ولا تخطئ أبدا!

حكامنا أحسن الرجال!

ننتخبهم مرة بعد مرة!″

هل يعقل هذا؟

السؤال الرابع :

عنوان المقالة مقتطف من كتاب تلبيس إبليس للعلامة ابن الجوزي، الباب السابع في تلبيس إبليس على الولاة والسلاطين. وتتمة الفقرة المعنية هي كالتالي :

″الشريعة سياسة إلهية ومحال أن يقع في سياسة الإله خلل يحتاج معه إلى سياسة الخلق. قال الله عز وجل (ما فرطنا في الكتاب من شيء) وقال (لا معقب لحكمه) فمدعي السياسة مدعي الخلل في الشريعة. وهذا يزاحم الكفر.)

ما رأي علمائنا في الموضوع؟

وما محل ″الحركات الإستسلامية″ – عنوان مقال بالموقع لمن أراد الإستزادة – من إعراب السياسة وسياسيي هذا الزمان؟

وهل كانت الشريعة يوما ما إجبارية؟

على الذين يقولون بهذا أن يقنعونا لماذا يذهب الملايين من المسلمين إلى المساجد ويصلون ولماذا يحجون ويعتمرون ولماذا يصومون ولماذا يزكون ولماذا يضحون…وفوق هذا وكله عن طواعية واختيار؟

للأسف الشديد انفلت الشأن السياسي من بين أيدي المسلمين لأسباب تاريخية لا يسمح المقال بجردها، وبقيت العبادات تصارع الزمن شاهدة على أن سياسة الإله أي الشريعة كانت يوما ما واقعا معاشا ونمط حياة لا نماذج نظرية أو تجريدية لا يُعلم أولها من آخرها.

وإذا أتيح للمسلمين اليوم أن يختاروا ما بين السياسة البشرية والسياسة الإلهية فماذا عساهم يا ترى سيختارون؟

أظن لا داعي للجواب.

اقرأ المقال كاملاً على لكم