الشرق الأوسط بين وهم الانتصار واستحالة الحسم

iframe{max-width:100% !important;} img{height:auto !important; max-width:100% !important;}

المحامي خالد عجاج


 

 

في الشرق الأوسط لا تقاس الحروب بحجم الدمار الذي تخلّفه فحسب، بل بقدرة الأطراف المتصارعة على تسويق نهاياتها بوصفها انتصاراتٍ سياسية واستراتيجية. من هنا تبدو المفاوضات الدائرة حول الملف الإيراني كما المشهد العسكري المفتوح على الجبهة اللبنانية، جزءاً من معركة أوسع تتجاوز الميدان نحو حسابات السلطة والانتخابات والشرعية الداخلية.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب يدرك أن أي مقاربة للملف الإيراني لا يمكن أن تُختتم من دون إنجازٍ واضح يقدمه الى الرأي العام الأميركي باعتباره دليلاً على القوة والقدرة على فرض الشروط. والأمر نفسه ينطبق على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو الذي لا يستطيع إنهاء الجولة العسكرية مع لبنان من دون تحقيق مكسب ميداني أو أمني يسمح له بإعادة صياغة معادلة ردعٍ جديدة يمكن تسويقها داخل إسرائيل باعتبارها "استعادة للأمن".
هذا التشابه في الحسابات السياسية الداخلية يفسّر إلى حد بعيد البطء الذي يطبع المفاوضات الإقليمية الحالية. فكل طرف يدرك أن وقف الحرب أو التراجع من دون مقابلٍ واضح سيُقرأ داخلياً كنوع من الهزيمة أو العجز، خصوصاً في لحظة سياسية حساسة يواجه فيها ترامب ونتنياهو ضغوطاً قاسية من خصومهما ومن الرأي العام على حد سواء. لذلك تبدو المنطقة كأنها عالقة في مرحلة انتقالية طويلة، حيث لا حرب شاملة تحسم ولا تسوية نهائية تنضج.
في المقابل لا تبدو طهران بعيدة عن فهم هذه المعادلة. فالنظام الإيراني الذي تلقى خلال الأشهر الماضية ضرباتٍ عسكرية وأمنية مؤلمة، يدرك أن خصومه ليسوا في موقع مريح يسمح لهم بخوض مواجهة طويلة بلا أثمان سياسية داخلية. لذلك تعتمد إيران سياسةً تقوم على امتصاص الضغوط وإطالة أمد التفاوض بانتظار تبدّل الظروف أو تبدّل موازين القوى. إنها تراهن على عامل الوقت وعلى قدرة خصومها على التآكل السياسي التدريجي تحت ضغط الانتخابات والانقسامات الداخلية.
لكن هذا الرهان الإيراني لا يلغي حجم الأزمة التي تواجهها الجمهورية الإسلامية نفسها. فالاقتصاد الإيراني يعيش أصعب مراحله منذ سنوات بفعل العقوبات وتراجع الاستثمارات وتزايد الضغوط الاجتماعية الداخلية. ومن هنا تبدو طهران بدورها بحاجةٍ إلى اتفاق يخفف من وطأة الانهيار الاقتصادي ويمنحها متنفساً مالياً وسياسياً، ولو أنها تحاول التفاوض من موقع الصمود لا من موقع الضعف.
وسط هذه الحسابات المعقدة يبقى لبنان في قلب العاصفة الإقليمية. فالهدنة القائمة على الجبهة الجنوبية تبدو حتى الآن أقرب إلى وقف هش لإطلاق النار منها إلى تسويةٍ مستقرة ودائمة. الميدان لا يزال مفتوحاً على احتمالات التصعيد، والرسائل الأمنية المتبادلة لم تتوقف، فيما يغيب أي أفق واضح لتفاهم شامل يعالج جذور الأزمة. الأخطر أن لبنان الغارق أصلاً في أزماته السياسة والاقتصادية، يجد نفسه مرة جديدة ساحةً لتقاطع الرسائل الإقليمية والدولية من دون قدرة فعلية على التأثير في مسار الأحداث.
وعليه، فإن المرحلة الحالية لا تبدو مرحلة سلامٍ بقدر ما هي مرحلة إدارة موقتة للصراع. الجميع يبحثون عن تسوية لكن أحداً لا يريد أن يظهر بمظهر المتراجع. وبين منطق القوة ومنطق التفاوض يبقى الشرق الأوسط معلقاً على توازنات دقيقة قابلة للاهتزاز في أي لحظة، فيما يظل لبنان الحلقة الأكثر هشاشة في معادلة إقليمية لم تنضج شروط استقرارها بعد.

اقرأ المقال كاملاً على النهار اللبنانية